المطر بريء.. فمن أغرق طرابلس؟

المطر بريء.. فمن أغرق طرابلس؟
المطر بريء.. فمن أغرق طرابلس؟

.

ما إن بدأت الأمطار بالهطول، حتى تناهى إلى سمعي صوت شاعر العراق بدر شاكر السيّاب، وهو يردد:

مطر.. مطر.. مطر..1

وعادت بي الذاكرة إلى مقالتي المنشورة في صحيفة «الشط»، تحت عنوان: «في الصيف كالهاري، وفي الشتاء فينيسيا»2.

نعم، إنه المطر يا سادة!

تلك النعمة التي تهبط من السماء رحمةً وخيرًا، فتستقبلها مدننا المنهكة بوصفها كارثةً موسمية، ويستقبلها المواطن الليبي بقلقٍ لا علاقة له بكمية المياه المتساقطة، بقدر ما له علاقة بما ينتظره بعدها.

ففي بلادٍ يُفترض أن يكون المطر فيها بشارة خير، أصبح هطوله إنذارًا مبكرًا بالغرق، وتعطّل الحياة، واحتجاز السيارات، وتسرّب المياه إلى المنازل والمتاجر، وانقطاع الطرق بين الأحياء، وتحويل الشوارع إلى برك ومستنقعات.

اليوم، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، لم تحتج طرابلس إلى أمطار استثنائية كي تكشف عيوبها. بضع ساعات من الهطول كانت كافية لتعيد المشهد الذي اعتدناه، وتضعنا مرة أخرى أمام السؤال الذي يبدو أن أحدًا لا يريد الإجابة عنه. شوارع غارقة، وأحياء محاصرة بالمياه، ومنازل ومتاجر تئن تحت وطأة التسرب، ومواطنون عالقون داخل سياراتهم، وآخرون عاجزون عن مغادرة بيوتهم أو الوصول إلى أعمالهم.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، أخذت الصور ومقاطع الفيديو تتناقل المشهد من زواياه المختلفة، وكأننا نشاهد تقريرًا سنويًا عن مدينة لم تتغير مشكلاتها، وإن تغيرت وجوه المسؤولين عنها.

المطر لم يصنع الأزمة؛ المطر كشفها فقط.

كشف هشاشة البنية التحتية، وعيوب شبكات تصريف مياه الأمطار، وغياب الاستعداد لمواجهة ظرف موسمي متكرر، كما كشف المسافة الشاسعة بين ما يُقال عن المشروعات وما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

والسؤال هنا ليس: لماذا أمطرت السماء؟

السؤال: لماذا تغرق المدينة كلما أمطرت السماء؟

أين أجهزة الدولة وبلدياتها، وهي تعلم أن هذه المشكلة تتكرر كل عام؟ وأين خطط الطوارئ التي يفترض أن تُفعّل قبل هطول الأمطار، لا بعد أن تتحول الشوارع إلى بحيرات؟

أين أجهزة الرقابة من مشروعات تُعلن وتُنفذ وتُفتتح، ثم تعود المشكلة ذاتها لتذكّرنا بأن شيئًا جوهريًا لم يتغير؟

ومن يحاسب الجهات المنفذة إذا كانت الأعمال رديئة، أو كانت الدراسات قاصرة، أو لم تُراعَ فيها طبيعة المدينة وحجم الأمطار المتوقعة؟ ومن يتحمل مسؤولية المال العام الذي يُنفق على مشروعات لا تنهي المشكلة، ولا تمنع تكرارها؟

لقد سمعنا كثيرًا عن مشروعات عودة الحياة، لكن الحياة التي نريد عودتها ليست لافتات تُرفع، ولا صورًا تُنشر، ولا أرقامًا تُعلن في المؤتمرات. الحياة أن يستطيع المواطن الوصول إلى بيته دون أن يخوض مغامرة في شوارع مدينته. أن ينام مطمئنًا حين تهطل الأمطار، بدلًا من أن يضع أمتعته فوق الطاولات، ويترقب تسرب المياه إلى منزله. أن يذهب إلى عمله دون أن يجد نفسه محاصرًا في سيارته، وأن يجد صاحب المتجر بضاعته سليمة في نهاية اليوم.

عودة الحياة ليست أن تنفق المال على المشروعات، بل أن يشعر المواطن بنتائج هذا الإنفاق.

ولا أريد أن أكتفي بإعادة الأسئلة نفسها؛ فالتدوين عن المشكلة، وإن كان ضروريًا، لا ينبغي أن يظل دورانًا في حلقة الشكوى. هناك حلول ممكنة، تبدأ بالاعتراف بأن ما يحدث ليس حادثًا طارئًا، بل مشكلة متكررة تحتاج إلى معالجة جذرية.

أولًا، إجراء مسح فني شامل لشبكات تصريف مياه الأمطار في طرابلس، وتحديد النقاط الأكثر عرضة للغرق، وفحص الأنابيب ومصارف المياه ومجاري التصريف، ومعرفة ما إذا كانت المشكلة ناتجة عن الانسداد، أو ضعف السعة، أو سوء التصميم، أو غياب الربط بين الشبكات.

ثانيًا، الانتقال من الحلول الموسمية إلى التخطيط الهندسي طويل الأجل. فتنظيف المصارف وشفط المياه إجراءات ضرورية وعاجلة، لكنها لا تكفي وحدها إذا كانت الشبكات غير قادرة أصلًا على استيعاب كميات المياه. المطلوب حلول تستند إلى دراسات هيدرولوجية وهندسية، وتراعي التوسع العمراني وتغير أنماط الهطول، وتحدد الحاجة إلى تطوير الشبكات أو إنشاء مسارات تصريف وخزانات تجميع حيثما تقتضي الدراسات ذلك.

ثالثًا، فتح ملفات المشروعات السابقة ومراجعتها فنيًا وماليًا، لا للاستهلاك الإعلامي، بل للتحقق من جودة التنفيذ، ومطابقة الأعمال للمواصفات، وسلامة الاستلام، ومدى تحقيق المشروعات للأهداف التي أُنشئت من أجلها. وإذا ثبت وجود تقصير أو مخالفة، فلا بد من تحديد المسؤولية ومحاسبة المقصرين وفق القانون.

رابعًا، إلزام الجهات المنفذة بصيانة دورية موثقة، مع تحديد المسؤوليات والميزانيات والجداول الزمنية، ونشر تقارير واضحة عن أعمال الصيانة، والمناطق التي عولجت، والمشكلات التي ما زالت قائمة. فالمشروع الذي يُترك بلا صيانة قد يتحول مع الوقت إلى مشكلة جديدة بدلًا من أن يكون حلًا.

خامسًا، إعداد خطة طوارئ حقيقية للأمطار، تتضمن فرق تدخل سريع، ومضخات ومعدات جاهزة، وغرف متابعة وتنسيق بين البلدية وأجهزة المرور والدفاع المدني والجهات الخدمية، مع تحذيرات مبكرة للمواطنين، وتحديد الطرق الخطرة، وإغلاق المسارات التي تشكل خطرًا عند الضرورة.

وسادسًا، وهو الأهم، إشراك المواطن في الرقابة على الخدمات العامة، من خلال منصة واضحة لتلقي البلاغات وتحديد مواقع تجمع المياه، ومتابعة معالجة كل بلاغ، ونشر بيانات عن الاستجابة والإنجاز. فالمواطن ليس مجرد متضرر يلتقط الصور بعد الكارثة، بل شريك في كشف الخلل، ومن حقه أن يعرف ماذا فعلت الجهات المختصة حيال ما أبلغ عنه.

قد تبدو هذه الحلول معروفة، بل ربما سمعنا بعضها عشرات المرات. لكن المشكلة ليست دائمًا في غياب الأفكار، وإنما في غياب الإرادة التي تحولها إلى عمل، وفي ضعف المتابعة والمحاسبة، وفي التعامل مع المال العام باعتباره نفقات تُصرف، لا أمانةً يجب أن تظهر نتائجها على الأرض.

أعرف أن هذا الكلام مكرر، وأن الكتابة عن غرق طرابلس بعد كل هطول للمطر أصبحت هي الأخرى طقسًا موسميًا، لا يقل انتظامًا عن الطقس نفسه. لكن ماذا نفعل حين تتكرر المشكلة ولا تتغير الاستجابة؟ هل نصمت لأن أحدًا سبقنا إلى الكتابة عنها؟ وهل نتوقف عن السؤال لأن الإجابات غائبة، أو لأن أصحاب القرار اعتادوا ضجيج الشكوى حتى صار جزءًا من الخلفية اليومية لحياتهم؟

إنني أكتب لأن تكرار الحديث عن الخلل ليس دليلًا على أن الحديث بلا جدوى، بل دليل على أن الخلل ما زال قائمًا. أكتب لأن بعض الكلمات، وإن لم تُغيّر الواقع وحدها، قد تصنع دوائر صغيرة في بحيرة الحكومة الراكدة، وتمنع الماء من أن يبدو ساكنًا تمامًا. وأكتب لأن المطر سيهطل مرة أخرى، عاجلًا أم آجلًا، ولأننا لا نريد أن نعود في كل مرة إلى السيّاب، لا بحثًا عن جمال القصيدة، بل بحثًا عن تفسيرٍ لمدنٍ تغرق كلما أمطرت السماء.

يا سادة، المطر نعمة الله وغيثه، وليس خصمًا للمدن ولا متهمًا في قضايا الفساد وسوء التخطيط.

المطر ليس المشكلة؛ المشكلة في مدينة لا تستعد للمطر، وفي مشروعات لا تصمد أمامه، وفي مسؤولين لا يتعلمون من تكرار المشهد.

في الصيف نبحث عن فينيسيا في الصور والحكايات، وفي الشتاء نصنعها في شوارعنا، ولكن من دون قواربها الجميلة، ولا جسورها العتيقة، ولا ذلك السحر الذي يجعل الماء جزءًا من هوية المدينة.

لدينا الماء، ولدينا المدن، ولدينا المال والمهندسون والخبرات.

ما ينقصنا هو أن نكفّ عن إدارة الأزمات بمنطق المفاجأة، وأن نكفّ عن التعامل مع الفشل بوصفه قدرًا لا يمكن تغييره.

فهل يأتي يوم يهطل فيه المطر على طرابلس، فنفرح به لأنه مطر، لا نخاف منه لأنه سيكشف لنا، مرة أخرى، ما حاولنا طويلًا ألّا نراه؟


1- قصيدة (أنشودة المطر) للشاعر العراقي الكبير “بدر شاكر السياب”.

2- رامز رمضان النويصري (في الصيف كلهاري … وفي الشتاء فينيسيا)، صحيفة الشط، العدد (453)، الثلاثاء: 15-12-1998.

2 thoughts on “المطر بريء.. فمن أغرق طرابلس؟”

  1. أحمد عون says:

    أحسنت النشر أستاذي..
    وأنا الله دربك ووفقك للخير وأنار حرفك وجعلك الله دالا على الخير..
    مقالة وضعت يدها على الحقيقة وعرتها وتتبعتها للوصول لمكمن المشكلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.