الأزمات ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي محطات مفصلية في تاريخ الشعوب، تكشف مدى قدرة المجتمع على التماسك أو الانهيار. في تجارب عديدة عبر التاريخ، تحولت الأزمات إلى منعطفات كبرى أعادت تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية، وأنتجت قيادات جديدة، وأفكار مبتكرة، بل وأعادت تعريف الهوية الوطنية. فالأزمة، مهما كانت قاسية، تحمل في جوهرها فرصة للتعلم وإعادة البناء، وصقل التجربة الجمعية لتصبح أكثر صلابة.
العمل تحت لهيب الشمس… هل تحتاج ليبيا إلى تشريع لحماية عمالها؟
مع كل صيف، تتجدد معاناة الليبيين مع موجات الحرارة التي أصبحت أكثر حدة واستمرارًا. فليبيا، بحكم موقعها الجغرافي ضمن نطاق الإشعاع الشمسي المرتفع، تشهد درجات حرارة تتجاوز في كثير من المناطق الأربعين والخمسين درجة مئوية، وهو واقع لا يقتصر على ليبيا وحدها، بل يمتد إلى معظم دول شمال أفريقيا والخليج العربي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: كم بلغت درجة الحرارة؟ بل: كيف ينبغي أن تتعامل الدولة وأصحاب الأعمال مع هذه الحقيقة؟
لقد أدركت العديد من الدول ذات الظروف المناخية المشابهة أن الحرارة الشديدة ليست مجرد ظاهرة مناخية، وإنما خطر مهني يستوجب تدخلاً تشريعيًا. ولهذا أقرت دول مثل الكويت والعراق ودول خليجية أخرى أنظمة تنظم ساعات العمل في المواقع المكشوفة، وتمنع العمل خلال ساعات الذروة، باعتبار أن حماية العامل مسؤولية قانونية قبل أن تكون واجبًا أخلاقيًا.
في الوقت الذي تزدحم فيه منصات التواصل الاجتماعي بمحتويات تبحث عن “التريند” السريع على حساب القيمة والمعنى، يبرز صانع المحتوى الليبي سليمان قشوط كعلامة فارقة ونموذج يستحق الوقوف عنده وتأمل تجربته بعمق. فمن خلال نافذته الرقمية “يوميات ليبي بفنلندا“ عبر حسابه الشخصي على فيسبوك وقناته النشطة على ماسنجر، يقدم قشوط درساً عملياً في كيفية تحويل “يوميات المغترب” إلى رسالة ثقافية واجتماعية.
الهُوية في مواجهة الغرب: حضورٌ واثق بلا انبهار
لعل أول ما يلفت الانتباه في الطرح الذي يقدمه سليمان قشوط هو ذلك الاعتزاز الراسخ بالهوية العربية-الليبية. فهو ينقل تفاصيل المجتمع الأوروبي بعينٍ فاحصة، واعية، وناقدة عند الحاجة، دون السقوط في فخ “الانبهار الأعمى” الذي يصيب الكثير من المغتربين، أو ما يعرف بـ”الصدمة الثقافية” التي تحول المغرب إلى ناقم على مجتمعه.
في عالم اليوم، حيث نجد أنفسنا محاصرون ثقافيا، في عصر رقمي مفتوح الأبواب والنوافذ، وممتد الآفاق، تكثر المنصات التي تقدم محتوى متنوعًا، يعيش شبابنا العربي في مواجهة مستمرة بين قيم أصيلة وتأثيرات خارجية غالبًا ما تبعدهم عن الدين. إن التحدي الأكبر ليس فقط في ضياع بعض القيم! بل في غياب وحضور القدوة الحقيقية؛ الفاعلة والقادرة، وسط بدائل افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنوع المحتوى وكثرته وقدرته على الإمتاع، لكنه فارغ من الروحانية والأخلاق السامية.
منذ فجر التاريخ، شكلت العلاقة بين الحكومات والشعوب ديناميكية معقدة، تتأرجح بين الطاعة والتمرد. وعندما تفقد الحكومات شرعيتها في نظر مواطنيها، أو عندما تتجاهل مطالبهم وتطلعاتهم، يبرز العصيان المدني كأحد أقوى أدوات التغيير والضغط السلمي.
والعاصمة الليبية؛ طرابلس، شهدت خلال الأيام الماضية دعوات كثيرة للعصيان المدني، تعكس حالة الاحتقان والغضب المتصاعد إزاء الأوضاع الراهنة. لكن للأسف ما شاهدناه وعشناه واقعًا يعكس جهلنا كمواطنين بماهية العصيان المدني.