طرابلس بعد المطر.. حين تنكشف الكارثة وتغيب المسؤولية

طرابلس بعد المطر.. حين تنكشف الكارثة وتغيب المسؤولية
طرابلس بعد المطر.. حين تنكشف الكارثة وتغيب المسؤولية

لم تكن الكارثة في السماء التي أمطرت، بل في الأرض التي عجزت عن ابتلاع المطر، وفي شوارع تحولت خلال ساعات إلى مصائد للسيارات، ومنازل غمرتها المياه، ومحال تجارية استيقظ أصحابها على خسائر قد تمحو تعب سنوات من العمل والرزق.

مع انقشاع الغيوم وظهور أشعة الشمس، لم تستفق طرابلس على مشهد مدينة ارتوت بالغيث النافع، بل على مشهد مدينة منكوبة، تكشف فيها المياه المتراجعة حجم الإخفاق، وتفضح فيه الشوارع الغارقة حقيقة البنية التحتية، وتطرح فيه الخسائر سؤالًا موجعًا: أين ذهبت الوعود؟ وأين ذهبت الأموال؟ ولماذا يدفع المواطن دائمًا ثمن الإخفاق من جيبه وراحة باله وممتلكاته؟

بضع ساعات من المطر كانت كافية لتضع مشروعات عودة الحياة أمام اختبار حقيقي، ولتكشف أن ما يُعلن عنه في المؤتمرات والتصريحات شيء، وما يعيشه الناس على أرض الواقع شيء آخر تمامًا.

المطر لم يصنع الأزمة وحده؛ بل كشف أزمة كانت كامنة تحت الإسفلت، تنتظر لحظة الحقيقة.

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس فقط: لماذا غرقت طرابلس؟ بل: من المسؤول عن غرقها، ومن سيدفع ثمن هذا الفشل؟

من يعوّض صاحب المحل التجاري عن بضاعته التي أتلفتها المياه؟

ومن يعوّض الأسرة عن أثاث منزلها وأجهزتها التي غمرتها السيول؟

ومن يتحمل خسارة المواطن الذي وجد سيارته غارقة، أو تعطلت مصالحه وأعماله بسبب شوارع لم تعد صالحة للمرور؟

بل؛ ومن يعوض العائلات فقد عائلها؟

هل سيُترك هؤلاء لمواجهة خسائرهم وحدهم، وكأن ما حدث مجرد سوء حظ، أو قدر لا يد لأحد فيه؟ أم ستتحمل الجهات المسؤولة واجباتها، وتُفتح تحقيقات جدية لتحديد أسباب ما حدث، ومراجعة المشروعات المنفذة، ومحاسبة المقصرين، ووضع آلية واضحة وعادلة لجبر الضرر وتعويض المتضررين وفقًا للقانون؟

فالمواطن الذي يخسر سيارته أو أثاث بيته، والعائلة التي فقدت عائلها لا تعنيها كثيرًا البيانات التي تتحدث عن حجم الإنجاز، ولا الصور التي توثق افتتاح المشروعات، ولا التصريحات التي تتحدث عن نسب التنفيذ. ما يعنيه ببساطة أن يجد طريقًا آمنًا، وشارعًا لا يتحول إلى نهر، وشبكة تصريف تؤدي وظيفتها عندما تهطل الأمطار.

وليس من المقبول أن تتحول الأموال العامة إلى أرقام في التقارير، بينما تتحول ممتلكات المواطنين إلى خسائر على أرض الواقع.

لكن، وللإنصاف، فإن المسؤولية لا تقع كلها على الجهات الرسمية وحدها؛ فهناك جانب آخر من الأزمة ينبغي ألا نتجاهله، وهو سلوك بعض المواطنين الذين يلقون بالأوساخ والأكياس البلاستيكية ومخلفاتهم في الشوارع، وكأن الطريق مساحة مهملة لا حق لأحد فيها، وكأن ما يُلقى على الرصيف سيختفي من تلقاء نفسه.

هذه المخلفات لا تبقى دائمًا في مكانها، بل تحملها مياه الأمطار إلى فتحات تصريف المياه، فتتراكم فيها وتساهم في انسدادها، وتزيد من احتمالات تجمع المياه وارتفاع منسوبها في الشوارع.

وهنا أوجه عتبي إلى المواطن الذي يطالب بحقوقه، وهو في الوقت نفسه يتنازل عن جزء من مسؤوليته تجاه مدينته. كيف نطالب بشوارع نظيفة وشبكات تصريف فعالة، ثم نساهم بأيدينا في تعطيلها؟ وكيف ننتظر من المدينة أن تحمينا من نتائج المطر، ونحن نشارك، بسلوكياتنا اليومية، في مضاعفة أضرارها؟

نظافة الشارع ليست ترفًا، والمحافظة على المرافق العامة ليست مسؤولية البلدية وحدها؛ إنها مسؤولية مشتركة، تبدأ من سلوك الفرد ولا تنتهي عند واجبات الدولة. غير أن تحميل المواطن مسؤولية سلوكه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتبرئة الجهات المختصة. فالمواطن الذي يرمي النفايات مخطئ، والجهة التي لا توفر خدمات جمعها بصورة منتظمة تتحمل نصيبها من المسؤولية، والجهة التي لا تنظف مصارف المياه ولا تصونها تتحمل مسؤوليتها أيضًا، تمامًا كما تتحمل الجهات المعنية بالتخطيط والتنفيذ مسؤولية التأكد من كفاءة المشروعات التي أُنجزت.

لا يجوز أن نضع كل اللوم على المواطن، ولا أن نعفيه من كل لوم. المطلوب أن يعرف كل طرف حدود مسؤوليته، وأن يتحمل نتائج تقصيره، دون أن يتحول تقصير طرف إلى مبرر لتقصير الطرف الآخر.

ماذا نحتاج الآن؟

نحتاج أولًا إلى حصر عاجل للأضرار التي لحقت بالمنازل والمحلات والسيارات، وتوثيقها بطريقة تضمن معرفة حجم الخسائر الفعلية، والنظر في سبل مساعدة المتضررين وتعويضهم وفقًا للأطر القانونية والمالية المتاحة.

ونحتاج إلى مراجعة فنية مستقلة لشبكات تصريف مياه الأمطار، وتحديد أسباب تجمع المياه في المواقع المتضررة، وفحص قدرة الشبكات على استيعاب الهطول، ومراجعة جودة التنفيذ والصيانة، بدل الاكتفاء بتفسيرات عامة تُحمّل الطقس وحده مسؤولية ما حدث.

كما نحتاج إلى نشر نتائج هذه المراجعات بشفافية، والإعلان عن الجهات المسؤولة عن معالجة الخلل، ووضع جدول زمني واضح للإصلاحات، مع محاسبة كل من يثبت تقصيره أو مخالفته.

ونحتاج، بالتوازي، إلى خطة حقيقية لإدارة النفايات، وتنظيف المصارف قبل موسم الأمطار، ومراقبة النقاط التي تتكرر فيها تجمعات المياه، وتوفير فرق تدخل سريع للتعامل مع الانسدادات والسيول، بدل انتظار وقوع الأزمة ثم البدء في البحث عن حلول مؤقتة.

أما على المستوى المجتمعي، فنحن بحاجة إلى تغيير ثقافة التعامل مع الفضاء العام؛ فلا يكفي أن نطالب الدولة بأداء واجباتها، بل ينبغي أن نؤدي نحن أيضًا واجباتنا، وأن نكف عن تحويل شوارعنا إلى مكبات مفتوحة، وأن نربي أبناءنا على أن المدينة التي نعيش فيها ليست ملكًا لأحد المسؤولين، بل بيت كبير يجمعنا جميعًا.

طرابلس لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات بقدر ما تحتاج إلى عمل حقيقي، ولا تحتاج إلى صور جديدة للمشروعات بقدر ما تحتاج إلى مشروعات تصمد أمام أول اختبار جدي، ولا تحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر ما تحتاج إلى تحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين.

المطر نعمة، والغيث النافع لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر خوف للمواطن، ولا إلى فاتورة جديدة يدفعها من مدخراته وأمواله وممتلكاته، بينما تضيع المسؤولية بين المؤسسات والجهات المختلفة. وعندما تنقشع الغيوم، لا ينبغي أن تكون مهمتنا مجرد تصوير المياه الراكدة، وتداول صور السيارات الغارقة، وكتابة عبارات الأسى والغضب على منصات التواصل الاجتماعي.

المطلوب أن تتحول هذه المشاهد إلى أسئلة جادة، ومطالب واضحة، ومراجعة حقيقية لما حدث.

فمن حق طرابلس أن تمطر دون أن تغرق، ومن حق المواطن أن يطمئن على بيته وسيارته ومصدر رزقه، ومن واجب المسؤول أن يقدم إجابات لا وعودًا، وحلولًا لا تبريرات. أما نحن، سكان هذه المدينة، فعلينا أن نتذكر أن إصلاح طرابلس يبدأ من مؤسسات تتحمل مسؤولياتها، ومن مواطنين يدركون أن حقوقهم لا تنفصل عن واجباتهم.

فهل تكون هذه الأمطار مناسبة لمراجعة حقيقية، أم أننا سننتظر انقشاع الغيوم، وجفاف الشوارع، ونسيان المشهد، حتى تعود الحكاية نفسها مع أول مطر قادم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.