الشّعبُ الطّيب

حكايات ليبية

تدمير

“روجر” مهندسٌ كندي، قبل قدومه للعمل بليبيا، كان يعمل بالإمارات. ولأنا زملاء، فإن أوقات الفراغ من العمل، نقضي أغلبها في الحديث في الكثير من الأمور، العامة والخاصة –أحياناً-. ولأنه متابعٌ جيد لجديد هوليود، فكانت السينما موضوعاً مشتركاً لأغلب حديثنا، متابعة، وتعليقاً على الأفلام والممثلين.

أحداث طرابلس الأخيرة، كانت الموضوع الذي استأثر باهتمام الجميع دون استثناء، خاصة وإن “روجر” لم يخرج مع الرعايا الأجانب، وقرر البقاء كما هي مواعيد جدول عمله. وفي ذات جلسة، قادنا الحديث إلى السياحة والمناطق والمزارات السياحية في ليبيا، من غدامس غرباً، مروراً بصبراتة ولبدة الرومانيتين، حتى الوصول إلى طبرق التي احتضنت أقوى معارك الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء والمحور. ليشمل الحديث مناطق كوادي الكوف، والأبرق، والجب الأخضر، وما تحويه الصحراء من كنوز لم يتم الكشف عنها بعد. تطقنا في حديثنا عن التعتيم الذي مُرس بشكل مقصود، حال دون استثمار هذه الموارد بالشكل الأمثل، لتنمية البلاد، وخلق مواطن شغل، وجلب للاستثمارات.

لحظتها تدخل “روجر” متسائلاً:

– شعب يملك كل هذه المقدرات والإمكانيات، لماذا يقوم بتدمير بلاده؟

الشعب الطيب

كانت جلسة حميمية، جمعتني وزوجتي مع مجموعة من الأصدقاء الإنجليز، باستثناء “ستيوارت” الايرلندي. كان الحديث يتنقل بنا من موضوعٍ لآخر، حتى وصلنا الوطن العربي، وحديث عن المجتمع العربي ثقافة وتقاليد، هنا ضحك “ستيورت”، وقال:

– عندما زرت (……….)، تم استغلالي بشكل سخيف ومبالغ فيه، فكنت أشتري الأشياء بضعف الثمن، أما أكبر استغلال، فكان يوم أن تم إلباسي لباساً تقليدياً للتصوير مقابل 100 دولار.

هنا التفتت الصديقة “هيلينا”، سائلة:

– كيف أنتم في ليبيا؟، هل عندكم ذات الشيء؟ على الأقل أنتم دولة نفطية غنية!!!.

هنا تقاسمت الحديث وزوجتي، في بيان طيبة الشعب الليبي، وما يتمتع به من كرم حاتمي، وكيف يجد عندهم الغريب حاجته، وكيف يحترم مجتمعنا المحافظ الأجنبي ويعامله معاملة ابن البلد وزيادة. وحكيت لها حكايات بعض الأجانب الذين يعملون في ليبيا منذ سنوات طويلة، ومازالوا يصرون على الاستمرار في أعمالهم، ومنهم السيد “مارك سلاي” الذي وقتها أمضى أكثر من 26 سنة كمدرس للغة الإنجليزية، ضمن إدارة التدريب بـ(شركة سرت للنفط).

عند مغادرتنا بريطانيا، كانت “هيلينا” الصديق والأخت، في وداعنا في مطار (نيوكاسل)، وكانت آخر كلماتها:

– سأزوركم في ليبيا.

كانت الاتصالات فيما بيننا بكل مستمر، حتى تم الاتفاق على أن تكون زيارة “هيلينا” في أبريل 2011. لكن فبراير حجب المشهد. آخر اتصال لها كان في مارس 2011، حيث كانت تطمئن عن حالنا، وفي ختام اتصالها قالت: سنخصص اليوم جزء من صلاتنا لحماية الليبيين.

حال تحرير طرابلس، وعودة الاتصالات، اتصلنا بها لطمأنتها، وتجديد الدعوة، خاصة وليبيا تدخل عهداً جديداً. لكن الأحداث في ليبيا سارت عكس ما نهوى. ثالث أيام عيد الفطر الماضي، اتصلت “هيلينا” للتهنئة والمباركة، وكالعادة استمر الحديث أكثر من ساعة، بمشاركة والدتها، تحدثنا فيها عن كل شيء، خاصة ما يجري في طرابلس، وأنها تتابع ما يحدث باهتمام، لتسأل:

– رامز، أين هو الشعب الطيب الذي أخبرتني عنه؟

وطن الهوية

“فائق” شاب ليبي، ورب لأسرة صغيرة (راسين ورويّس). يمارس حياته اليومية بشكل اعتيادي ككل الليبيين البسطاء، لا تشغله السياسة ولا أمور السلطة، كل همه توفير لقمة عيش حلال، والإخلاص في العمل، وهكذا بعد التحرير كان من السباقين للالتحاق بالعمل:

– يا ولاد، هذا وقت الخدمة.

لفترة افتقدناه من المشهد اليومي، سألت قيل إنه في إجازة، هاتفه مقفل، والجميع يؤكد أنه خارج ليبيا، أما أحد الزملاء، فأكد إنه قد باع شقته؛ التي كافح واجتهد من أجل الحصول عليها. وهكذا حتى وجدت يوماً الزملاء في هرج، لأدرك أن “فائق” يتوسط الجلسة، وضحكته تستأثر بمساحة وجهه. وكنت محظوظاً لأنه كان في بداية سرده لقصته. يحكي:

تشوفوا في الوضع، قلنا البلاد تحررت، وهذا وقت الخدمة الحقاني. لكن آهو، لعبوا فيها، وكل يوم نكتشفوا في خازوق. وبدت نهيبة والخدمات كل يوم لتالي. ففي يوم كنت ندور على ورقة، فجأة طحت في شهادة الميلاد بتاعي، فتحت الغلاف وقريتها، وانت عارفين أني مولود بره. حطيتها على جنب، لين طحت في الورقة اللي نبيها، وبنرجع الورق للشنطة، تسلحبت شهادة الميلاد، وطاحت بعيد، تقول ما تبيش تخش للشنطة، لحظتها خطر في بالي، قلت: علاش لا؟ خللي نحاول.

تاني يوم الصبح، مشيت للسفارة، وطلبت مقابلة، خشيت وريتلهم شهادة الميلاد وجواز سفر الوالد للمدة اللي قعدها غادي. خدوا الوراقي وقالولي: توه نتصلوا بيك. بيني وبينكم، قلت آهي محاولة وخلاص.

فات اسبوع، لقيت السفارة تتصل، وطالبين شوية أوراق وصور للعويلة، مشيت في الموعد، لقيت موظف يراجي فيا، عبالي شوية نماذج، وسؤال من هني وسؤال من غادي، طلعت على وعد بالاتصال في أقرب فرصة.

فاتوا اسبوعين، اتصل بيا نفس الموظف، وقالي: مبروك جواز سفرك جاهز.

صدقوني ما صدقتش، روحت للحوش وقعدت نتناقش مع العويلة، وبعيدين استشرت الوالد والوالدة وخوتي، وقلتلهم رانس قررت بنطلع بره البلاد. على الأقل لا في مشاكل، والوليد يحصل تعليم كويس.

وتوكلت على ربي، ورتبت أموري، اتصلت بالسفارة وبلغتهم، ماني مواطن أوربي توه، وزي ماقالولي لما وصلت المطار لقيت موظف في استقبالي، اللي تملي الإجراءات، ووصلني بمحامي باش يكمل باقي الإجراءات. بعدها روحت لطرابلس، وبعت الشقة، ورجعت وقعدت لين العويلة خدوا عالجو وتعلموا كيف يتصرفوا ويمشوا ويجوا.

تبو الحق، الأمور غادي بالنسبة ليا أكبر من عقلي اللي تعود على هيدقة الليبيين. الأسبوع الأول كلها قعدنا نتعلموا كيف نقصوا الطريق، وكيف من الضروري نمشوا في المسار المخصص للمشاه، وكيف نعرفوا مواعيد الباصات وكيف تقرا الخريطة اللي في المحطة، جمل وطاح في باسطي.

وآهو زي ماتشوفواـ حولت للعمل التناوبي، وبين هني وغادي.

عندها غادرت.

رمضان البريقة

أحن إلى رمضان البريقة، أو صيام شهر رمضان في مرسى البريقة (شركة سرت للنفط).

منظر جوي للمنطقة الأولى -البريقة- شركة سرت.

منظر جوي للمنطقة الأولى -البريقة- شركة سرت.

في أول شهر رمضان أصومه بعد انتقالي للعمل بقسم الطيران بشركة سرت، كان يمكنني الذهاب لصالة الطعام للسحور مع العمال الأجانب. الذهب للمطار للعمل. وفي رمضان التالي كنت قد سكنت في حجرة خاصة، مزودة بثلاجة ساعدتني في توفير وجبة سحور جيدة.

رمضان البريقة (2)

غروب الشمس من مطار مرسى البريقة

الجميل في رمضان البريقة -كما كنت أصرح-: هو التمتع حقاً بالصيام وبمعاني الصيام الجسدية والروحية، فأنت منقطع نهاراً للعمل، وليلاً للعبادة، لدرجة أني كنت أختم القرآن كل ثلاث أو أربعة أيام.

ورغم أن البريقة تعني الابتعاد عن أسرتي، إلا أني لم أشعر بالغربة بين ساكني المنطقة الأولى بالشركة، حيث لم تنقطع العزومات، والاستضافات، لدرجة أني كنت أتهرب. كنت عازباً وكنت أقضي رمضان بكامله في البريقة ولا أعود إلا بعد العيد، بالاتفاق مع رئيسي في العمل، مقابل قضاء العيد الكبيرة بالكامل في طرابلس.

كنا كمجموعة أصدقاء عزاب، أو غير مصحوبين، نقوم بإعداد إفطار جماعي، حيث نلتقي في أحد الحجرات أو السكن، لإعداد إفطار يجمع الشباب، حيث يبدع كل في مجاله، الشربة من تخصص فلان، والسلاطة من تخصص علان، وهكذا.

رمضان البريقة (3)

إفطار رمضان 2010 .. من اليمين رضا الزروق – إبراهيم الشريف – رامز النويصري

رمضان البريقة (4)

رمضان 2010

رمضان البريقة (5)

رمضان 2010

في آخر رمضان بالبريقة، كان قد تم تخصيص منزل لنا نحن مجموعة الطيران للسكن به، كان يحتوي أربع حجرات نوم، ومطبخ مجهز بالكامل. وضمنياً قررنا ألا نقبل أي عزمة لنفطر بشكل جماعي مع بعضنا، فكان قبل المغرب ننقسم إلى جزئين -حسب ظروف العمل- للذهاب إلى صالة الطام وإحضار بعض الوجبات -شربة، أرز، لحم، سلاطة-، هذا إضافة لما يأتينا من صُفُر وما يجود علينا به الجيران.

بعد زواجي صرت أقضي فترتي الـ14 يوماً وأعود لبيتي.

كم أحن للبريقة ولأيام البريقة.