
مع كل صيف، تتجدد معاناة الليبيين مع موجات الحرارة التي أصبحت أكثر حدة واستمرارًا. فليبيا، بحكم موقعها الجغرافي ضمن نطاق الإشعاع الشمسي المرتفع، تشهد درجات حرارة تتجاوز في كثير من المناطق الأربعين والخمسين درجة مئوية، وهو واقع لا يقتصر على ليبيا وحدها، بل يمتد إلى معظم دول شمال أفريقيا والخليج العربي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: كم بلغت درجة الحرارة؟ بل: كيف ينبغي أن تتعامل الدولة وأصحاب الأعمال مع هذه الحقيقة؟
لقد أدركت العديد من الدول ذات الظروف المناخية المشابهة أن الحرارة الشديدة ليست مجرد ظاهرة مناخية، وإنما خطر مهني يستوجب تدخلاً تشريعيًا. ولهذا أقرت دول مثل الكويت والعراق ودول خليجية أخرى أنظمة تنظم ساعات العمل في المواقع المكشوفة، وتمنع العمل خلال ساعات الذروة، باعتبار أن حماية العامل مسؤولية قانونية قبل أن تكون واجبًا أخلاقيًا.
هذه التشريعات لا تنطلق من باب الترف، وإنما من حقائق علمية تؤكد أن الإجهاد الحراري يؤدي إلى انخفاض التركيز، وارتفاع احتمالات الحوادث المهنية، وتراجع القدرة البدنية والذهنية للعامل. ومن ثم فإن استمرار العمل في ظروف قاسية قد يترتب عليه خسائر بشرية ومادية أكبر بكثير من تكلفة تنظيم ساعات العمل.
في ليبيا، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا. فإلى جانب الحرارة المرتفعة، يعيش المواطن أزمة انقطاع الكهرباء، وهو ما يحرم أماكن العمل والمنازل من وسائل التبريد الأساسية، ويضاعف التأثير الصحي والمهني للحرارة. وهنا يصبح العامل أمام تحديين في الوقت نفسه: حرارة الطقس، وغياب الوسائل التي تخفف آثارها.
من الجانب الاقتصادي، قد يعتقد البعض أن تقليص ساعات العمل يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، لكن التجارب العالمية تشير إلى العكس. فالعامل المرهق بسبب الحرارة لا يقدم إنتاجًا أفضل، بل يكون أكثر عرضة للأخطاء والإصابات والتوقف عن العمل، وهو ما ينعكس في النهاية على تكلفة التشغيل وجودة الأداء. لذلك فإن الاستثمار في بيئة عمل آمنة يحقق عائدًا اقتصاديًا يتمثل في رفع الكفاءة، وتقليل الحوادث، وخفض تكاليف العلاج والتعويضات.
أما من الناحية القانونية، فإن تشريعات العمل الحديثة لم تعد تنظر إلى العامل باعتباره أداة للإنتاج، بل كإنسان له الحق في بيئة عمل آمنة وصحية. وهذا يفرض على أصحاب الأعمال والجهات التنظيمية مراجعة السياسات الحالية، ووضع ضوابط واضحة للعمل خلال موجات الحر، خاصة في الأعمال الميدانية والإنشائية والصناعية والخدمية.
إن المطلوب اليوم ليس تعطيل عجلة الإنتاج، وإنما إدارتها بوعي. ويمكن تحقيق ذلك عبر تعديل ساعات العمل خلال فترات الحرارة القصوى، وتوفير فترات راحة منتظمة، وضمان توفير مياه الشرب، وتأمين أماكن مظللة أو مكيفة كلما أمكن، مع نشر الوعي بمخاطر الإجهاد الحراري وكيفية التعامل معه.
إن التغير المناخي جعل موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة، وهو ما يعني أن التعامل معها لم يعد خيارًا مؤقتًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من سياسات السلامة المهنية والتخطيط الاقتصادي. وربما آن الأوان لأن تبدأ ليبيا نقاشًا جادًا حول تشريع ينظم العمل في درجات الحرارة المرتفعة، بما يوازن بين استمرار الإنتاج وحماية الإنسان.
فالاقتصاد الحقيقي لا يُبنى على استنزاف العامل، وإنما على الحفاظ عليه. وكل تشريع يحمي الإنسان في بيئة العمل، هو في جوهره تشريع يحمي الاقتصاد نفسه.