الدولار يرتفع… والأسعار تتذكره حتى بعد أن ينخفض

في ليبيا، لم يعد ارتفاع الأسعار خبرًا جديدًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية.
نستيقظ كل صباح تقريبًا على سعر جديد لسلعة، أو أجرة نقل، أو خدمة، وكأن الأسعار تسير في اتجاه واحد فقط: إلى الأعلى.
المشكلة ليست في أن الأسعار ترتفع أحيانًا؛ فالأسواق بطبيعتها تتأثر بالتكاليف والعرض والطلب وسعر العملة. المشكلة الحقيقية هي في الارتفاع المضطرد وغير المنطقي، وفي السؤال الذي أصبح يفرض نفسه على المواطن: لماذا ترتفع الأسعار بسرعة، ولماذا لا تنخفض عندما تنخفض الأسباب التي قيل لنا إنها وراء ارتفاعها؟
الدولار… شماعة الأسعار الدائمة
عندما يرتفع سعر الدولار في السوق الموازية، يكون التفسير جاهزًا:
«الدولار ارتفع، ولذلك ارتفعت الأسعار».
وهذا تفسير له جانب من المنطق، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. فالتاجر الذي يشتري بعملة أجنبية سيدفع تكلفة أعلى عندما يرتفع سعر الصرف، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على سعر السلعة.
لكن السؤال يبدأ عندما يحدث العكس.
ماذا يحدث عندما ينخفض سعر الدولار؟
هل تنخفض الأسعار معه؟
في كثير من الأحيان، لا يحدث ذلك.
بل نجد أن السلعة التي ارتفع سعرها بسبب ارتفاع الدولار، تستقر عند السعر الجديد حتى بعد تراجع سعر الصرف. وهنا يصبح الدولار أحيانًا ليس سببًا اقتصاديًا فقط، بل يتحول إلى ذريعة جاهزة لرفع الأسعار، بينما لا يُستخدم انخفاضه بالقدر نفسه لتخفيضها.
والوقود أيضًا يدخل إلى المعادلة
الأمر لا يتوقف عند الدولار.
أزمات الوقود وانقطاعه أو صعوبة الحصول عليه ترفع تكلفة النقل والمواصلات. والسيارة التي كانت تنقل البضاعة بتكلفة معينة أصبحت تحتاج إلى وقت أطول، أو تبحث عن الوقود في أماكن مختلفة، أو تدفع تكلفة إضافية للحصول عليه.
وهذه الزيادة، حتى لو كانت بسيطة، يمكن أن تنتقل من سائق الشاحنة إلى التاجر، ومن التاجر إلى بائع الجملة، ومنه إلى بائع التجزئة، وفي النهاية يدفعها المواطن.
وهنا يمكن فهم جزء من الزيادة في الأسعار.
لكن المشكلة تتكرر مرة أخرى:
ماذا يحدث عندما يتوفر الوقود؟
هل تعود أجرة النقل إلى سابق عهدها؟
وهل تعود السلعة إلى سعرها السابق؟
غالبًا لا.
وكأن الأسعار تعرف جيدًا طريق الصعود، لكنها فقدت تمامًا طريق العودة.
السعر الجديد يصبح هو السعر الطبيعي
ربما تكون هذه واحدة من أكثر الظواهر التي تستحق التأمل في السوق الليبي.
ترتفع تكلفة سلعة بنسبة معينة، فيرتفع سعرها بنسبة أكبر. ثم تنخفض التكلفة، لكن السعر لا ينخفض. وبمرور الوقت، ينسى المستهلك أصلًا أن السلعة كانت أرخص. وهكذا يتحول السعر الاستثنائي إلى سعر طبيعي.
ومع كل أزمة جديدة، تُضاف زيادة أخرى، ثم تستقر، ثم تأتي أزمة أخرى، وهكذا تتراكم الزيادات حتى يصبح السعر الذي كان المواطن يعتبره مرتفعًا قبل سنوات هو اليوم سعرًا «عاديًا».
والأخطر أن المواطن نفسه يبدأ بالتكيف مع هذا الواقع بدلًا من رفضه، لأن البديل ببساطة هو عدم شراء السلعة أو الاستغناء عنها.
اقتصاد يعتمد على الخارج
لكن لا يمكن تحميل التاجر وحده مسؤولية كل ما يحدث. هناك مشكلة أكبر تتعلق ببنية الاقتصاد الليبي نفسه.
اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد يعني أن جزءًا كبيرًا من الأسعار المحلية مرتبط بما يحدث خارج الحدود: سعر العملة، تكاليف الشحن، أسعار المواد الخام، النقل الدولي، الأوضاع السياسية والاقتصادية العالمية وغيرها.
حتى بعض المنتجات التي تحمل عبارة «صنع في ليبيا» قد تكون في الحقيقة تعتمد على مواد خام أو مكونات مستوردة من الخارج. أي أننا لا نملك فقط اقتصادًا استهلاكيًا، بل نعاني أيضًا من ضعف القاعدة الإنتاجية المحلية.
عندما لا تنتج ما تحتاجه، فإنك تستورد.
وعندما تستورد، تحتاج إلى العملة الأجنبية.
وعندما تتأثر العملة الأجنبية، تتأثر الأسعار.
وهكذا تدخل البلاد في دائرة يصعب الخروج منها من دون بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.
حكاية المرتب الذي بقي في مكانه
في وسط هذه المعادلة هناك طرف لا يستطيع رفع سعره كما يفعل الجميع: المواطن ومرتبه.
الأسعار تتحرك باستمرار، لكن المرتبات في كثير من الحالات لا تتحرك بالسرعة نفسها. وهنا تظهر المشكلة الأكبر!
فالتاجر يستطيع أن يرفع سعر السلعة، والسائق بالمثل يستطيع أن يرفع أجرة النقل، وبالتبعية يستطيع صاحب العقار أن يرفع الإيجار، لكن الموظف لا يستطيع ببساطة أن يرفع راتبه كلما ارتفع سعر السوق. وهكذا لا يصبح التضخم مجرد مشكلة اقتصادية، بل يتحول إلى تآكل حقيقي في القدرة الشرائية.
الراتب الذي كان يكفي أسرة ما لشهر كامل، أصبح اليوم قد لا يكفي سوى لجزء من احتياجاتها. وبمرور الوقت، لا يشعر المواطن فقط بأن الأسعار ارتفعت، بل يشعر أن قيمة راتبه نفسها انخفضت.
نحن أيضًا جزء من المشكلة
ومع ذلك، هناك جانب آخر لا ينبغي تجاهله: النمط الاستهلاكي.
لقد أصبح الاستهلاك في المجتمع الليبي أكبر من مجرد تلبية الاحتياجات الأساسية. هناك سباق دائم نحو شراء الجديد، وتقليد الآخرين، والإنفاق على الكماليات، والشراء لمجرد أن الآخرين يشترون. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الاستهلاك في بعض الأحيان وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية.
سيارة أحدث، هاتف أحدث، ملابس أكثر، مطاعم ومقاهٍ، مناسبات، سفر، ومشتريات كثيرة لا ترتبط دائمًا بالحاجة الحقيقية.
وهذا النمط الاستهلاكي يزيد الطلب على السلع المستوردة، ويعمق اعتمادنا على الخارج، ويجعل جزءًا من الدخل الليبي يذهب باستمرار إلى شراء منتجات لا ننتجها محليًا.
المشكلة أكبر من سعر سلعة
لذلك، فإن الحديث عن ارتفاع الأسعار في ليبيا لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: «كم أصبح سعر الدولار؟»
السؤال الأهم هو:
لماذا أصبح الاقتصاد الليبي بهذه الحساسية تجاه الدولار؟
ولماذا لا ننتج جزءًا أكبر مما نستهلك؟
ولماذا لا تنخفض الأسعار عندما تنخفض بعض تكاليفها؟
ولماذا بقيت المرتبات عاجزة عن اللحاق بالأسعار؟
ولماذا أصبح الاستهلاك أكبر من قدرتنا الإنتاجية؟
قد يكون ارتفاع الدولار سببًا، وقد يكون الوقود سببًا، وقد يكون النقل سببًا، وقد تكون تكاليف الاستيراد سببًا… لكن كل هذه الأسباب تكشف في النهاية عن مشكلة واحدة أكبر:
اقتصاد هش، إنتاج ضعيف، اعتماد كبير على الخارج، وقدرة شرائية تتآكل يومًا بعد يوم.
أما المواطن، فقد أصبح يعيش وسط معادلة غريبة، مصفوفة لا حل لها:
الدولار يرتفع… ترتفع الأسعار.
الوقود ينقطع… ترتفع الأسعار.
النقل يرتفع… ترتفع الأسعار.
تكلفة الاستيراد ترتفع… ترتفع الأسعار.
لكن عندما ينخفض الدولار، ويتوفر الوقود، وتنخفض بعض تكاليف النقل…
تبقى الأسعار مرتفعة.
وكأن السوق الليبي لا يعرف إلا اتجاهًا واحدًا: الصعود فقط.
وفي النهاية، لا يدفع المواطن ثمن السلعة فقط، بل يدفع ثمن اقتصاد لم يستطع أن ينتقل من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج، ومن اقتصاد الاستيراد إلى اقتصاد يستطيع أن ينتج وينافس ويحمي قدرًا من قوته الشرائية.
ويبقى السؤال الأهم:
إلى متى يستطيع راتبٌ ثابت أن يلاحق أسعارًا لا تتوقف عن الحركة؟