جماليات السهل الممتنع أو كيف أعاد وليد الكور وسالم درياق تشكيل الأغنية الليبية المعاصرة؟

جماليات السهل الممتنع أو كيف أعاد وليد الكور وسالم درياق تشكيل الأغنية الليبية المعاصرة؟
جماليات السهل الممتنع أو كيف أعاد وليد الكور وسالم درياق تشكيل الأغنية الليبية المعاصرة؟

في وقتٍ تتزاحم فيه الساحة الفنية العربية بإنتاجات ضخمة تعتمد غالباً على الإبهار البصري والتوزيع الموسيقي الصاخب على حساب عمق التجربة، تتسلل من ليبيا تجربة موسيقية حقيقية هادئة، لكنها شديدة الأثر والعمق.

إنها تجربة الملحن والمغني وليد الكور في شراكته الفنية المميزة مع الشاعر سالم درياق؛ الشراكة التي تحولت عبر الفضاء الرقمي إلى حالة سماعية خاصة تقترح شكلاً جديداً للأغنية الليبية اليوم.

تكمن قوة هذه التجربة في اشتغالها الواعي على مفهوم “السهل الممتنع”. ليست هناك تعقيدات مقامية مجانية، ولا استعراضات صوتية زائفة؛ بل ثمة جملة لحنية دافئة، صادقة، وتنساب إلى أذن المستمع دون استئذان. إذ يعيد وليد الكور صياغة الجملة الموسيقية بذكاء شديد؛ فهو يدرك أن البساطة ليست فقراً فنياً، بل هي ذروة التكثيف والجمال. لحن يتنفس براحة، ويمنح الكلمة مساحتها الكاملة لكي تؤثر وتدهش.

على الضفة الأخرى من هذا الجسر الفني، يقف الشاعر سالم درياق بمشروعه الشعري الذي يحول “اليومي والعادي” إلى حالة تجريدية مفعمة بالشعر. فالشاعر درياق لا يبحث عن المفردات القديمة أو الزمنية المغلقة، بل يلتقط تفاصيل الحياة اليومية، والمشاعر العابرة، ولحظات الانتظار والشوق العادية، ليصيغ منها نصوصاً حية تجعل المستمع يرى نفسه في قلب المشهد، وكأن النص الغنائي يعبر عن لحظة شخصية عاشها للتو. هذا التماهي بين الكلمة البسيطة والمعنى العميق هو ما منح التجربة شعبيتها النخبوية والجمهورية في آن واحد.

في المقابل، لم تكن التكنولوجيا في تجربة الكور ودرياق مجرد وسيلة لنشر المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل غدت جزءاً من الهوية الفنية نفسها. حيث أدرك الثنائي كيفية استغلال تقنيات التسجيل والتنفيذ الحديثة لتقديم منتج صوتي نقي ومتقن، دون أن تفقد الموسيقى روحها أو تعاطفها الإنساني.

هذا المزج بين الأصالة المترسخة في الوجدان الليبي والأدوات العصرية الشابة، هو ما جعل الأغنية تتجاوز الحدود الجغرافية لتصل إلى ذائقة عربية أوسع، تبحث عن الصدق في زمن التصنع.

إن ما يقدمه وليد الكور وسالم درياق يمثّل وثيقة فنية تؤكد أن الأغنية الليبية قادرة على تجديد نفسها من الداخل، وبأدوات متجددة، دون الحاجة للتخلي عن هويتها أو الانجراف وراء الموضات السريعة. إنها تجربة تذكرنا دائماً بأن أجمل الفنون هي تلك التي تلمس الروح بأبسط الأشكال وأعمقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.