
لم تكن المشكلة يومًا في أن ينتقد المواطن مؤسسات الدولة، فالنقد حق مشروع، بل ضرورة تفرضها طبيعة العلاقة بين المواطن ومؤسسات يفترض أنها وجدت لخدمته وتحقيق مصالحه، كما أن النقد المسؤول يمثل إحدى وسائل تصحيح الأخطاء وكشف مواطن الخلل والدفع نحو الإصلاح. لكن المشكلة تبدأ حين تختلط الرغبة في الإصلاح بالرغبة في الاستعراض، وحين يتحول الحديث عن الشأن العام إلى مناسبة لتصفية الحسابات مع الواقع، أو استعراض التجارب الشخصية، أو تقديم الذات باعتبارها النموذج الذي يفترض أن يُحتذى به في مقابل مجتمع لا يفهم، ومؤسسات لا تجيد، ومواطنين لا يعرفون كيف يعيشون.
لقد أتاحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة واسعة للتعبير عن الرأي، وكسرت احتكار الحديث عن الشأن العام، ومنحت المواطن فرصة لمساءلة المسؤولين والتعبير عن انشغالاته دون الحاجة إلى المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية، غير أن هذه المساحة نفسها تحولت، لدى بعض المستخدمين، إلى منصة مفتوحة لإنتاج محتوى يفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية والمسؤولية، حيث يكفي أن يضع المرء هاتفه أمامه، ويبدأ في الحديث بنبرة غاضبة، حتى يتوهم أنه يمارس دورًا رقابيًا أو يقدم نقدًا جادًا لمؤسسات الدولة، بينما لا يتجاوز ما يقدمه في كثير من الأحيان استعراضًا للذات وتفريغًا للضيق الشخصي في صورة خطاب عام.
ولعل ما يستحق التوقف عنده أن بعض هذه المقاطع لا تنشغل بتشخيص مشكلة محددة، ولا تقدم معلومات يمكن التحقق منها، ولا تطرح أسئلة جوهرية تتعلق بالأداء المؤسسي أو المسؤولية الإدارية أو حتى الحكومية، وإنما تنصرف إلى استعراض الماضي الشخصي، أو التذكير بالإمكانات والامتيازات التي امتلكها صاحب المقطع، أو الحديث عن قدرته على العيش خارج الوطن وكأن مغادرته البلاد تمثل شهادة تفوق تمنحه حق النظر إلى الآخرين من علٍ، أو كأن البقاء في الوطن والعيش وسط أزماته دليل على العجز وقلة الحيلة. وهنا لا يعود الحديث نقدًا لمؤسسات الدولة بقدر ما يصبح استعراضًا للفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وتقديمًا لتجربة فردية بوصفها معيارًا للحكم على مجتمع بأكمله.
ويزداد الأمر سوءًا حين يتخذ هذا الخطاب من المواطن البسيط أو عامل النظافة موضوعًا للتعالي والسخرية، بدلًا من النظر إليهما باعتبارهما جزءًا من واقع اجتماعي تتداخل في تشكيله مسؤوليات الدولة والبلديات والمؤسسات والمواطنين أنفسهم. فليس من النقد أن يُتحدث عن عامل النظافة باعتباره صورة للفشل، متجاهلًا أن قيمة الإنسان لا تحددها مهنته، وأن كرامته لا تنتقص لأنه يؤدي عملًا يحتاج إليه المجتمع، وأن السؤال الحقيقي يجب أن يتجه إلى الظروف التي يعمل فيها، وحقوقه، ومدى احترام المجتمع له، ومدى كفاءة الجهات المسؤولة عن النظافة والخدمات العامة.
إن نقد مؤسسات الدولة لا يحتاج إلى رفع الصوت بقدر ما يحتاج إلى وضوح الفكرة، ولا يستمد قيمته من عدد المشاهدات أو حجم التفاعل، بل من قدرة صاحبه على تحديد موضع الخلل، وتقديم الوقائع، والتمييز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية، وطرح الأسئلة التي تضع أصحاب القرار أمام واجباتهم. فحين نتحدث عن تردي الخدمات، ينبغي أن نحدد طبيعة الخلل والجهة المسؤولة عنه، وحين ننتقد أداء مؤسسة عامة، ينبغي أن نناقش سياساتها وإجراءاتها ونتائج عملها، وحين نتناول ظاهرة اجتماعية، ينبغي أن نبحث في أسبابها وسياقاتها بدلًا من اختزالها في أحكام جاهزة على الناس أو في حكايات شخصية لا تكفي وحدها لتفسير الواقع.
وهذا لا يعني أن النقد يجب أن يكون أكاديميًا أو أن كل مواطن مطالب بإعداد دراسة قبل أن يعبر عن غضبه، فالمواطن ليس ملزمًا بأن يكون خبيرًا في الإدارة حتى يتحدث عن معاناته مع مؤسسة عامة، ومن حقه أن يروي تجربته ويطالب بحقه ويكشف ما تعرض له من تقصير أو ظلم. لكن ثمة فارقًا واضحًا بين التعبير عن تجربة شخصية وبين تحويلها إلى حكم مطلق، وبين مساءلة المسؤول وبين إهانة الناس، وبين الجرأة في طرح الأسئلة وبين اتخاذ الإساءة وسيلة لجذب الانتباه، وهو فارق لا تلغيه حرية التعبير ولا تمنحنا المنصات الرقمية حق تجاهله.
فهل أصبح النقد سهلًا إلى هذا الحد، أم أن السوشيال ميديا أوهمت البعض بأن مجرد الظهور أمام الكاميرا والحديث بثقة وانفعال يكفيان لصناعة موقف نقدي؟ ربما أسهمت طبيعة هذه المنصات، التي تكافئ في كثير من الأحيان المحتوى المثير والعبارات الصادمة والمواقف الاستفزازية، في ترسيخ الاعتقاد بأن الضجيج دليل على الأهمية، وأن السخرية دليل على الذكاء، وأن القدرة على إحراج الآخرين تعني امتلاك الحقيقة.
إن الحرية في التعبير عن الرأي لا تعني غياب المسؤولية، كما أن احترام آداب النقد لا يعني تكميم الأفواه أو تبرير أخطاء المؤسسات. المطلوب ليس منع المواطن من الكلام، بل أن ندرك أن الكلام في الشأن العام مسؤولية، وأن من ينتقد مؤسسة أو مسؤولًا أو ظاهرة اجتماعية ينبغي أن يكون مستعدًا لمناقشة ما يطرحه، وأن يميز بين الوقائع والانطباعات، وأن يحترم كرامة الآخرين حتى حين يختلف معهم، وألا يجعل من معاناتهم أو أوضاعهم المعيشية مادة للاستعلاء أو وسيلة لصناعة مجد افتراضي.
نحن بحاجة إلى نقد يكشف الخلل ولا يكتفي بتضخيمه، ويضع المسؤول أمام مسؤوليته بدلًا من توزيع الاتهامات على الجميع، وينحاز إلى المواطن وكرامته بدلًا من اتخاذه خلفية لمشهد استعراضي، ويبحث عن حلول ممكنة دون أن يتنازل عن حقه في المحاسبة والمساءلة. فالمؤسسات التي تخطئ يجب أن تُنتقد، والمسؤول الذي يقصر يجب أن يُسأل، والقرارات التي تضر بالمصلحة العامة يجب أن تخضع للنقاش، لكن كل ذلك لا يمنح أحدًا حصانة أخلاقية تجعله فوق النقد، ولا يحول امتلاك الهاتف والكاميرا إلى شهادة في الوعي أو دليل على امتلاك الحقيقة.
في النهاية، ليس كل من تحدث أمام الكاميرا ناقدًا، وليس كل من رفع صوته صاحب قضية، وليس كل من استعرض نجاحه الشخصي أقدر على فهم مشكلات المجتمع. فالنقد الحقيقي لا يبدأ من السؤال: كيف أبدو أمام الناس؟ بل من السؤال: ما الذي أريد تغييره، وما الوقائع التي أستند إليها، وما الذي يمكن أن يضيفه كلامي إلى فهم المشكلة؟ أما حين يصبح الهدف هو الاستعراض، ويغيب احترام الناس، وتتحول معاناة المجتمع إلى فرصة لإثبات التفوق الشخصي، فإننا لا نكون أمام نقد لمؤسسات الدولة، بل أمام ضجيج رقمي يرتدي ثوب النقد، ويطالب الجميع بالإنصات إليه دون أن يقدم ما يستحق هذا الإنصات.