عادم دراسي جديد

1

يوم الأحد 30-9-2012 كعادتي أفقت باركاً.. وعند حوالي السابعة والنصف قررت الخروج والوقوف إلى تقاطع الشوارع القريب من البيت. توقف في الجانب المفتوح حيث يمكنني مراقبة أكثر ما يمكنني من الشوارع، وهدفي التلاميذ.

نعم، اليوم هو أول أيام العام الدراسي الجديد في ليبيا 2012-2013. عام دراسي من المفترض أن يكون أُعد له بحيث لا يعاني من أي مشاكل أو معوقات تحول بين إتمام السنة الدراسية على خير ما يتمناه أي ولي أمر، خاصة وإن ليبيا تشهد الكثير من التغيرات على الصعيد السياسي والكل يأمل أن يواكبها تغير اجتماعي وعلمي يكون المدد لليبيا الجديدة.

المشهد أكثر من رائع، حيث أسكن ثمة أكثر من مدرسة لأكثر من مستوى تعليمي، يعني؛ حتى الثانوية العامة، التي اتخذ قرار بالعودة إليها كنظام تعليمي مؤهل للدخول للجامعات والمعاهد العليا. المشهد كان غنياً وواعداً، أولياء الأمور يقومون بإنزال أولادهم عند بابا المدرسة ليترجل منها التلاميذ، على وجوههم ابتسامة كبيرة، وفي جبينهم قرأت وعداً بالنجاح.

عند الركن، قريباً من إشارة المرور، تمركز بعض الشباب، أظنهم يريدون المدرسة الثانوية القريبة، لكني بعد لحظا اكتشفت سبب وقوفهم لهذا الركن، كانت ثمة مجموعة من الفتيات –بنات الثانوي- تمر، يضحكن، ويتغامزن. تذكرت أياماً مضت، وكأن التاريخ يعيد نفسه، مع اختلاف الملابس وكريمة الشر وطريقة قصه، وأمور أخرى للوقت دوره الكبير فيها.

الجميل في منظر التلاميذ الصغار، هو البهجة التي ينشرونها في الشارع والمكان، ملابسهم الزرقاء –القرمبيولات- وكأن السماء حلت بيننا، والقمصان البيضاء للفتيان، توزعهم كغيمات هنا وهناك. كان أحد التلاميذ بصحبة أخيه الأصغر، ويبدو أنه في سنته الدراسية الأولى، كان يجري خُطوات ويتوقف حاثاً أخيه على الإسراع: (هيا هيا).

2

قبيل الظهيرة عدت للبيت، وفي الطريق مررتُ بأكثر من مدرسة، الجميل هو أني وجدت التلاميذ يخرجون بكتبهم الدراسية الجديدة. مدرسة خاصة زودت تلاميذها بحقائب بلاستيكية من نوعية فاخرة تحمل اسم المدرسة لحمل الكتب، بدل أن يحملها التلميذ بين يديه. فأغلب التلاميذ لم يحضروا ما يحملون فيه كتبهم، ربما لظنهم إن الكتب غير جاهزة.

3

لم أرد التحدث عن ما تمر به ليبيا من مخاض سياسي، في اعتذارات رئيس المؤتمر الوطني، أو ما يطرح ويتناول حول حكومة “أبوشاقور”، أو حتى الوضع الساخن في “بني وليد”، لظني أن الغد –بإذن الله تعالى- أكثر إشراقاً، بأولادنا، وأنهم هم من نعول عليهم لبناء ليبيا ورفع اسمها عالياً، والحفاظ عليها. وهي فرصة لمساعدة النشأ على الحياة في بيئة صحيحة وسليمة.

وأحب أن أنبه لبعض النقاط التي أرى من الضروري مراعاتها، أولها: توفير من يراقب دخول التلاميذ للمدارس والخروج، كأن تقوم إدارة المدرسة بتعيين مشرف يومي لتقنين الدخول وإيقاف السيارات لعبور التلاميذ والحفاظ على سلامتهم. ثانياً: مراقبة المقاصف المدرسية وما تقدم من مواد غذائية. ثالثها: تقنين الجدول الدراسي بحيث لا يحتاج التلميذ لأن يحمل حقيبة تزن أكثر من 10 كيلوجرام. رابعها: وربما أولها، تأهيل المدرس. خامسها: وربما تحتاج لبعض الوقت، تأهيل المؤسسات التعليمية وتطوير المناهج.

تلميذ اليوم الناجح، رجل الغد. وهو الاستثمار الأمثل والذي علينا التعويل عليه لمستقل أكثر ازدهاراً، وهذا يفرض أن نتعاضد جميعاً، من أجل الدفع بحركة التعليم في ليبيا، ولو بالدعاء، المسؤولية تضامنية لا فرق فيها بين أحد.

 نشر بمجلة الكاف الإلكترونية

تخبط

لا أجد من الأوصاف لوصف ما تبر به ليبيا الآن إلا (التخبط)، وإن كنت أعتبر أن ما تمر به البد من مخاض هو حالة صحية، تعكس سلامة الجسم وعودته للتعافي وريداً رويداً. إلا أن ما تصرف مسؤوليه هو ما أوقعه في مثل هذا الحالة (الملخبطة).

ولا أوضح من حالة تخبط رئيس المؤتمر الوطني “د.محمد يوسف المقريف”، الذي لا تكاد يتفق في تصريحاته، فينتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو يرتفع، لينزل سريعاً، وكأنه لا يجيد الحكم على الأمور، أو كيفية التعامل مع الأزمات. فها هو يتحدث باسم ليبيا ويعتذر أمام مجمع الأمم المتحدة باسم عما اقترفه نظام الطاغية، ثم يعود لليبيا ليقول أنها ستكون علمانية، ليعود ليعتذر.

صورة أخرى لهذا الخبط، اختيار حكومة “أبوشاقور” وما رافقها من أحداث وما قيل فيها وعليها، في الوقت الذي علق عليها الليبيون الكثير من الآمال، كونها ستضمن لهم بداية بناء دولة حديثة. هذا ناهيك عن تصريحات الوزراء التي تعكس تسرعهم وعدم درايتهم، ومحاولة إرضائهم للشارع الليبي.

إن هذا التخبط مراقب مباشرة من كل أفراد الشعب، الذي يدرك ويعي ما تحتاجه البلاد لمرحلة التأسيس، وهو بمسؤولية يتعامل مع الدولة الممثلة في المؤتمر الوطني ويحترم قراراته بعد أن وضع ثقته في ممثليه. وعلى الحكومة أن تبادل المواطن ذات القدر من المسؤولية والوعي والإدراك بحاجاته، وألا تلعب ذات اللعبة القديمة، وأقصد المرتبات.

ولعل أكثر ما يفسر حالة التخبط هذه، ما حدث من اقتحام لقاعة المؤتمر الوطني، من قبل مجموعة من المعترضين. وأياً كان سبب اعتراضهم، واعتراضنا على طريقة تعاملهم وتصرفهم غير المسؤول. إلا أنه وبالرجوع للجذر، سنكتشف أن المسألة في أصلها هي تخبط الحكومة الليبية. وأرى أنه من المفروض على المؤتمر الوطني:

– أن يعتدل في تصريحاته، ولا يتعجل إصدارها.

– تكوين لجنة مختصة تقف على كل ما يصدر عن المؤتمر الوطني، وخاصة رئيسه “د.محمد يوسف المقريف”.

– أن تكون ثمة لجنة مماثلة في كل وزارة، حتى تكون تصريحات الوزراء على قدر من المصداقية والمسؤولية.

– الشفافية، والتعامل مع المواطن بمسؤولية، كون المجلس يستمد شرعيته منه.

طرابلس تنتخب

طرابلس تنتخب

عنوان كبير.. لكن حتى الآن الإحصائيات تقول إن الإقبال ضعيف جداً

ما المشكلة؟

هل الدعاية الانتخابية قاصرة عن إيصال المعلومات؟

هل المواطن الليبي فقد الثقة في الدولة -كما يعلق الكثير-؟

هل طرابلس لا تريد الانتخاب؟

 

ليبيا .. الأمن والأمان

1

الحقيقة التي يجب أن نعرفها، أن ما كانت تعيشه ليبيا لم يكن أماناً؛ إنما قبضة أمنية.

2

شيء لا يمكنني تفسيره، فبالرغم من كوني متفائلاً بالغد –غد ليبيا-، وكلي أمل في خروج ليبيا من مأزقها؛ وأن ما تمر به ليبيا إنما هو حالة صحية، يعكس ارتفاع درجة حرارتها تماثل الجسم للشفاء، ودليل على مقاومة خلاياه للمرض. فلماذا إذن، تنفجر الأمور بمثل هذا الشكل، أمنياً؟.

3

المسألة في زعمي بدأت باكراً. وتحديداً عند الإعداد لتحرير طرابلس، عندما تم عرض الخطة الأمنية الخاصة بتأمين طرابلس –العاصمة-، والتي ستنفذ فور التحرير. وتفننت القنوات بعرضها حركياً ومعلوماتياً.

وتحررت طرابلس، ولسببٍ ما لم يتم تنفيذ خطة الأمنية لتأمين العاصمة.

4

إضافة لما ذكر عن عدم تطبيق الخطة الأمنية المعلن عنها لتأمين العاصمة، ثمة أسباب أخرى جعلت الوضع يصل إلى ما هو عليه، من اضطراب أمني وتضارب ونشوء بؤر توتر في ليبيا، أهمها:

– الاستعجال في إعلان التحرير، وربطه بمقتل الطاغية. بالرغم من أنه ثمة أكثر من مدينة كانت غير محررة. وكان من الضروري أن يكون إعلان التحرير مقروناً بالتحرير الكامل لليبيا من بقايا نظام الطاغية.

– المسألة الثانية، هو التهاون الكبير من قبل المجلس الوطني في الإسراع بفرض سيطرته على المواقع والمراكز المهمة، التي سيطرت عليها كتائب الثوار. فكان الوقت المتسرب في صالح أشباه الثوار والمتسلقين وضعاف النفوس، وبقايا النظام للتجمع وتكوين تجمعات وكتائب وهمية، همها ترويع الآمنين وضرب المجتمع في ثورته.

– مسألة أخرى تضاف لسابقاتها، ألا وهي التأخر في تفعيل الشرطة والجيش، وعدم وجود خطة واضحة المعالم لذلك، وكأن ثمة يداً خفية تقف وراء نية التفعيل، الأمر الذي تأصلت معه الكتائب والمفارز وتحولت كل واحدة إلى جيش مستقل يملك عسكره وسلاحه، وحتى وإن كان بعضها تابعاً للجيش أو اللجنة الأمنية، إلا إنها تتمتع باستقلالية وتتحرك بمعزل عنهم، وهذا ما نعايشه.

– وكنتيجة للنقطة السابقة، تمركزت هذه الكتائب والمفارز في مدنها، وتركت ممثلين لها في طرابلس، وعملت على حماية مناطقها. بالتالي فإن المدن التي لم يتم التعامل معها بشكل نهائي، ظلت بؤراً للتوتر والقلق. وهو الوقت الذي مكنها من البقاء أكثر والاستمرار في تأثيرها السلبي.

– اعتماد بناء الحكومة الأولى على المحاصصة، خاصة فيما يتعلق بالجيش ووزارة الداخلية، الأمر الذي ركز الاعتماد في بناء الشرطة والجهاز الأمني والجيش على الولاءات، بالتالي لم يتم ضم كتائب الثوار كأفراد؛ وهو ما كان واجباً ومفروضاً، بل تم ضمها ككيانات، ظلت تحت أمرة أمرائها –كما أشرنا سابقاً-.

– المسألة قبل الأخيرة، هي عدم التعامل مع نقاط التوتر بالحكمة والصرامة المطلوبة، وتركت الأمور في أغلبها للوقت، مما راكم الأزمة أكثر. إذ افترضت بعض الأحداث التعامل السريع معها، واستخدام بعض الصرامة لمعالجتها. خاصة وإن مساحة ليبيا الجغرافية، الكبيرة نسبياً، تجعل من سرعة التنقل والإمداد أمراً ليس من السهل التعامل معه، خاصة فيما يتعلق بأمن الحدود، في قصور الطيران العسكري، الذي عمل نظام الطاغية على كسر أجنحته.

– المسألة الأخيرة، الواجهة القبلية، التي تبرز عندما تميل كفة المعتدي، أو عندما يجد نفسه في مواجهة القوة، فيتم اللجوء إلى شيوخ القبائل والعائلات لحل المشاكلة وتثبيت الأوضاع، الأمر الذي يجد فيه البعض مهرباً من العقاب، وكأن أرواح من أزهقت رخيصة.

5

إن السرعة والحكمة من أهم الأمور التي على الحكومة القادمة مراعاتها فيما يتعلق بمسألة الأمن والأمان في ليبيا. السرعة في تكوين جهاز أمني قوامه الشرطة والجيش، والحكمة في حل التوتر الذي تمثله، وهو الرهان الذي على حكومة “أبوشاقور” كسبه، وإنجازه.

***

نشر بصحيفة الكاف الإلكترونية