عقب تسرب الرسالة التي وجهتها النائبة “مدللة محمد البشير” والتي تفصل فيها مجموعة من المسروقات، ضمنتها بعض الأدوات النسائية. اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة الفيسبوك، بين شامتٍ، وهازئٍ، ومعرضٍ، ومفصلٍ، الأمر الذي دعى السيدة “مدللة” للتصريح، بإن رسالتها كانت لإثبات الحالة لا أكثر. لكن هذا لم يكن مفيداً لوقف الحملة التي شنت. خاصة وإنه تم التهميش على الرسالة للمالية للإجراء.
ما أود الوقوف عنده، مجموعة من النقاط:
أولها؛ حجم الحملة -لو جاز لنا تسميتها بذلك- وحجم ما سيق فيها وما أخذته من أشكال وتمظهرات، يعكس مدى عدم قبول شريحة كبيرة من المواطنين لهؤولاء الساسة، نتيجة لأدائهم غير المرضي، والثقة المفقودة في عملهم. فمثل هذه الحملات طالت كل من تم القبض عليه متلبساً.
ثانيها؛ زعمٌ بأن هذه التسريبات، مقصودة.
ثالثها؛ حجم الفراغ الذي يعانيه مستخدموا مواقع التواصل الاجتماعي، وحاجتهم لما يفرغ شحنة الكبت التي يعانونها.
رابعاً؛ الجهل باللوائح والإجراءات الواجب اتخاذها في مثل هذه الحالات.
أخيراً؛ حجم الفراغ الثقافي الذي يعيشه المواطن، ليأخذ هذا الموضوع حيزاً كبيراً من شغله اليومي.
عنوان مقطع فيديو انتشر على النت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وبشكل خاص (الفيس بوك)، ولأن الموضوع يتعلق بالليبيين، تحول هذا الفيديو إلى شغلهم وملتقى تهدريزهم وشدهم ورخيهم. خاصة وإن الموضوع يمس الشباب الليبي بشكل مباشر.
بطل المقطع هو شاب ليبي اسمه “وليد الأعوج”، ولا أعرف إن كان هو اسمه الحقيقي أم لا؛ لكن يبدو إنه مقيم أو موجود بأحد الدور الأوربية، ومن خلال تسجيل مصور، يتحدث عن الزواج في المجتمع الليبي، طالباً من الأهل أن يعطوا بناتهم ويزيدوا عصيدة، ويرضوا.
أثار هذا المقطع، الكثير من ردود الأفعال، والنقاش، بين مجتمع الشباب الليبي، بين معترض ومؤيد لما جاء في المقطع، أما البنات الليبيات فالغالية اعترضن. وكحركة مقاومة، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من أشكال الرفض، في شكل صور للسيد “وليد” متزوجاً من (لامبه) وهو الوصف الذي أسقطه على فتيات أوروبا، بعد أن نصح الشباب بالزواج منهن، أو من خلال بعض المقاطع المضادة.
“وليد” بدأ سلسلة مقاطعه المصورة، من المشاكل التي يتعرض لها الشاب الليبي عند الرغبة في الزواج من أجنبية، والتعقيدات التي تقابله في السفارات، ومن داخل البلاد. ثم انتقل بالحديث عن مشكلة الزواج من الليبيات في مقابل الزواج من أجنبية، بمقياس الميزات والعيوب.
ما أريد قوله؛ إننا كمجتمع مازلنا نفتقر لأهم أساسيات الحوار وطرح القضايا. فنحن نطرح قضايانا بسطيحة، وبمجانية مقيتة. فلا هتم بدراسة المسألة أو القضية، ومحاولة الوقوف على أهم النقاط، ومن بعد مناقشتها وعرضها بشكل منهجي أو حيادي، برغبة البحث عن حل، مما يعني قبول أي رأي مع أو ضد.
فالكثير من القضايا التي تم طرحها عن طريق الشبكة؛
– عرضت بشكل سطحي، ومجاني، أي لم يعد لها بشكل جيد، إلا ما ندر. وهذا ينسحب على القضايا الاجتماعية والسياسية، وغيرها. إذ لا خطوط عريضة أو نقاط رئيسية، أو مباحث.
– الحوار والنقاش، افتقد لأهم مسألة وهي الحياد، أو النظر للموضوع بحيادية، بعيداً عن تغليب المصالح الشخصية أو المرجعيات الاجتماعية والسياسية. الأمر الذي لا يجعل لهذا الحوار من مخرجات.
– لا قاعدة علمية أو حتى منطقية للحلول التي يتم اقتراحها، أو تبنيها، لأنها حلول تخدم المصلحة.
– التعميم، وهي من أهم المشاكل التي نجدها في أي حوار ليبي – ليبي، فأنت تتحدث باسم الكل وتدافع عن الكل، والطرف الآخر يعتمد على ذات الكل.
– القناعة المسبقة، أو النتيجة المبيتة؛ فالملاحظ إن أي ليبي موجود في حوار، أو نقاش حول قضية ما، يكون لديه حكماً مسبقاً أو قناعة ما، أو نتيجة مبيتة في نفسه، يقوم بعرضها والدفاع عنها، وفرضها.
إن “وليد الأعوج” إنما يعرينا لا أكثر.
فلو نظرنا للمسألة بشكل مجرد، وهي الزواج، لوجدنا إنها قضية قديمة، قدم المجتمع الليبي، وأن المجتمع أوجد لها حلولاً تواطأت فيها جميع الأطراف، وبعض المسائل صارت من التاريخ، ومن الأمور المستهجنة، يعني (كل قدير وقدره)، و(مادامكم متفاهمين، ربي يبارك)، و(اللي بتجيبه بيقعدلك)، و(بنديروا الماير)، و(المهم راجل)، و(البنت بنتكم)، و(لا نبي لا دهب ولا غيره، المهم مكان يلمكم). ربما مسألة (البيت) هي العقدة الأخيرة في مسلسل قضية الزواج في ليبيا، وهي مسألة وطنية على الدولة تحمل دورها في هذا الأمر.
مجتمعنا الليبي بخير، مجتمع حي، إنما يحتاج لدعم الدولة، ومن قبلها الاستقرار.
خلال اليومين الماضيين، تناقلت وسائل الإعلام المحلية بشكل خاص والعالمية تصريحاً عن وزارة الدفاع الأمريكية، تعتقد فيه أن من نفذ الهجوم الجوي على مواقع قوات (فجر ليبيا) هما مصر والإمارات، انطلاقاً من قواعد مصرية. ثم تأتي السفارة الأمريكية أمس في مصر لتصرح بقولها: لا نعتقد أن مصر شاركت فى قصف ليبيا، ولا أعتقد إن السفارة الأمريكية ستخرج من تلقاء نفسها، لتعلن هذا التصريح، بدون علم الخارجية الأمريكية، وموافقتها. هذا في ظل أخبار وتقارير عن حرب بالوكالة، وتنازع قوة إقليمية من خلال قوى ليبية على الأرض.
وحتى لا يفهم من كلامي أني أقف على الطرف الآخر، من أي حدث أو تعليق أو حوار، أو أني أنحاز إلى جانبٍ ما، فأوضح:
أني أولاً، لا أدعي المعرفة بالسياسة وشؤونها، وما اهتمامي بالشأن السياسي إلا تفاعلاً مع ما عاشته ليبيا من أحداث، بداية من انطلاق ثورة 17 فبراير المجيدة. ثانياً، أني رجل منطق، أقرأ الأمور في: معطيات – عمليات – نتائج. بالتالي أعتمد كثيراً على قراءة الوقائع، وإخضاعها لميزان ما يتوافر من معلومات لإثبات النتائج التي يتم التوصل إليها. وتأسيساً على هذه المبادئ، أعلق:
– أن قيام دولتي مصر والإمارات بتنفيذ هذه العملية العسكرية، أمر غير مبرر، ولا يمكن تفسيره في ظل ما يطرح من تأثير بعض الشخصيات الليبية، في المشهد الإماراتي والمصري، لإقناعهما بتنفيذ ضربات جوية محددة الأهداف، لحساب أحد أطراف الصراع. كما إنه لو ثبت هذا الأمر، فيمكننا الرد من خلال القنوات الشرعية، ومحاسبة الدولتين أمام جميع الأمم، وتحميلهما مسؤولية هذا التصرف.
– أنه في حال قيام كل من مصر والإمارات بهذه العملية العسكرية، من الصعب تصديق عدم علم المجتمع الدولي، وأمريكا بشكل خاص بها، أو إنها لم تلاحظ أي تحرك عسكري في ظل تواجد أجهزة مراقبتها بالمنطقة.
– تأسيساً على النقطة السابقة، إن مسرح العمليات من الصعب تغطيته بأي شكل من الأشكال دون كشف، وليس من السهل توفير أي شكل من أشكال التغطية، لتقوم طائرات بتنفيذ عمليات على عمق أكثر من 1500 كيلومتر داخل الأراضي الليبية. إذ ستكون الطائرات بحاجة لدعم لوجستي، خاصة التزود بالوقود، الذي لابد أن يكون تم عن طريق صهاريج طائرة، والأمر الذي يحتاج لتنسيق سيكون من الصعب عدم رصده على موجات الراديو، على أقل تقدير.
– لأن هذه الطائرات لن تجازف، بالهبوط في أي قواعد ليبية، خاصة في الضربة الجوية الثانية، مخافة كشفها. وهذا ما يدحض فرضية استخدام أي مهبط ليبي للتزود بالوقود.
– كما إن مصر لن تجز بمواطنيها في مواجهة أعمال انتقامية، كردة فعل مباشرة لتنفيذها هذا العمل.
– مسألة أخرى، وهي مسألة استراتيجية. أنه لو كانت كل من مصر والإمارات هما من قام بهذا العمل، فإنه يعكس مدى ما تملكاه من مقدرة استخباراتية وعسكرية لتنفيذ عملية عسكرية، على هذا القدر من الاحترافية، وهو أمر يدعو للفخر. فإن إسرائيل لن تتوانى عن القيام بأي عمل لضرب هذه القدرة، التي تعني إنها هدف مكشوف، خاصة من مصر التي تشترك وإياها حدودياً. وهو مؤشر لبيان طبيعة من قام بتنفيذ هذه العملية، إذ إن كل ما يمس أم دولة إسرائيل من قريب أو بعيد، لا يمكن السكوت عنه أو تركه، ولنا في التاريخ شواهد.
في ظني، إن المسألة ليست بالسهولة التي يمكن على عقولنا، أو عقلي الصغير –بشكل محدد- استيعابها. فالأمر أشبه بسلسلة من التفاعلات الانشطارية، التي يمثل فيها تفاعل انشطاري، بداية تفاعل جديد. لأن المسألة الليبية تطورت بشكل غير متوقع، ففي اللحظة التي أعلن فيها التحرير، كانت تفاعلات وأحداث موازية، جعلت من المشهد في ليبيا يتحول ويتسرب في أكثر من اتجاه ومسرب. وهو أمر يراقبه العالم بشكل حذر، والأهم بالنسبة إليه الوصول لحل يضمن عدم خروج الأمور عن السيطرة، لذا من الواجب أن ينبع الحال من الداخل، بجلوس الجميع إلى طاولة الحوار، لأن الحوار وحده هو الحل، لأن التدخل الأجنبي سيكون تأثيره سلبياً في المشهد، مالم يكن مرتبطاً بمهمة محددة ومؤقتة.
عندما علق أحد الجيران أن البريد في قائمة أهداف الحرب على طرابلس، استغربت، وشككت في الأمر. إذ ما الذي يعنيه هذا المبنى الإداري للأطراف التي حولة مدينة طرابلس –العاصمة- إلى ساحة اقتتال لها، فهو يضم مكاتب إدارية، ومكاتب لخدمة المواطنين والمراجعين، ومكتب صناديق بريد، إضافة إلى مبنى المقسم، ووحدة للاتصالات.
في يوم 20/8/2011 في عملية (فجر الأوديسة) لتحرير طرابلس، قام سكان منطقة (طريق السور) بحماية هذا المبنى، لما يمثله من مكسب وطني، وما يقدمه من خدمات لكل الليبيين. قاموا بتعليق علم الاستقلال عليه، إعلاناً بتحرير منطقة طريق السور في 21/8/2011.
وعودة لحديث الجار العزيز، فإن ما حدث ليلة أمس في الدقائق الأولى من يوم الأربعاء 20/8/2014 عند الساعة 00:20، رفع من نسبة قبولي لنظرية قصف مبنى البريد المركزي. خاصة عندما أفزعنا سقوط أكثر من ثلاث صواريخ –كنت شاهداً علي سقوطها وسماعها تشق السماء فوقنا-، على منطقة (سيدي خليفة) و(معسكر الاستخبارات). الأمر المأساوي، إن الصواريخ لو تقدمت قليلاً لأصاب (مستشفى الحروق والتجميل). هذا دون أن ننسى الكثافة السكانية بالمنطقة.
الأحداث
مواقع سقوط القذائف في محيط مبنى البريد المركزي
10/8/2014 سقوط قذيفة على منطقة (طريق السور) أمام جامع (الهوني). وهي منطقة غرب مبنى البريد.
17/8/2014 سقوط قذائف على منطقة (باب بن غشير) قريباً من مدرسة (علي النجار)، في موقع تشغله مجموعة عمال نظافة. وهي منطقة تقع جنوب مبنى البريد المركزي.
20/8/2014 سقوط أكثر من ثلاث صواريخ على منطقة (سيدي خليفة)، على المساكن. وهي منطقة تقع شمال مبنى البريد.
الاستنتاج
المرافق الخدمية القريبة من مبنى البريد المركزي
إن فرضية استهداف مبنى البريد المركزي أمر غير بعيد الاحتمال. وهو ما يؤكد نظرية إن هذه الحرب هدفها تدمير العاصمة، وما تحويه من مرافق ومؤسسات، ومرافق خدمية. فبعد، المطار، وخزانات النفط، عمارات حي الأكواخ، ومخازن البريد، ومحطة جنوب طرابلس، وهي كلها تقع على حدود طرابلس، سيكون الدور على المرافق داخل طرابلس.