القبيلة … القبيلة … القبيلة

ليبيات 39

حقائق1

في ليبيا ما يقارب الـ 140 قبيلة ومجموعات عائلية، لها امتدادات جغرافية عبر الحدود ووشائج دم مغاربية ومشرقية ومتوسطية وأفريقية عبر الصحراء. ولكن القبائل الكبيرة التي لها تأثير فعلي لا يتجاوز عددها الـ 30 قبيلة بما في ذلك تكتلات عائلية.

والتركيبة البنيوية القبلية للمجتمع الليبي، قوامها الأمازيغ والعرب وما انبثق عنهما بفعل الإسلام وبخاصة المتصوفة من قبائل المرابطين والأشراف وبفعل الدولة العثمانية من قبائل الكراغلة.

تشير إحصاءات الى أن 90 في المئة من الليبيين يستشعرون بــ(الانتماء إلى القبيلة)، إذ يعتبر 45 في المئة أن صلتهم بقبائلهم وثيقة وقوية جداً، في مقابل 45 في المئة يحسون بمجرد ارتباط بالقبيلة، في حين لا يكترث 10 في المئة لهذا الانتماء.

المظلة

في دولة لن تعرف الاستقرار السياسي لفترات طويلة، وعانت من ضعف الإدارة والتصرف، كانت للرابطة أو الروابط الاجتماعية الدور الفاعل، في تسيير الأمور وترتيبها، وفرض شكلاً من أشكال التنظيم الإداري والحكم لضبط تسيير احتياجات الفرد. في شكل تكافل اجتماعي يضمن للفرد حقوقه، وينتظر منه تنفيذ واجباته اتجاهها (فارس يحيي قبيلة، وقبيلة ما تحيي فارس).

القبيلة، كانت الرابطة الاجتماعية التي استطاعت أن تكون المظلة الحامية للفرد أو العضو الذي ينتمي إليها، خاصة في بلد محدود الموارد. وليست القبيلة مجموعة الأفراد التي تتفق النسب، إنما قد يكون بعض الأفراد المنتمين، ممن دعتهم الظروف للالتجاء أو الاحتماء، أو الانضواء.

وفي ليبيا، تمثل القبيلة العصب الأساس للتركيبة الاجتماعية للمجتمع، وعلى أساسها تدار الكثير من الأمور، وتنجز الكثير من الأحداث. فلقد سجل التاريخ الكثير مما جرى بين القبائل الليبية، من منازعات وغزوات وحروب، وتحالفات تحفظ الدعم والإسناد عند الحاجة، الأمر الذي أوجد بعض الحساسيات بين القبائل، الأمر الذي أثر على حركة الجهاد الليبي إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا.

ارتباط

حتى بعدما عرفت ليبيا نوعاً من الاستقرار السياسي، في مرحلة أولى ممثلة في الملكية، ومرحلة ثانية من حكم القذافي، لحوالي 60 سنة، إلا أن القبيلة كان لها الدور الأساسي في بناء الدولة وإرساء سلطتها، وإن كان بشكل غير مباشر، وبشكل خاص خلال فترة حكم القذافي، التي نمى فيها من جديد الارتباط بالقبيلة، خاصة وإنها ارتبطت بتحقيق مجموعة من المكاسب المادية والاجتماعية والسياسية. فرأينا صعود بعض القبائل وتصرفها في شؤون الدولة، اعتماداً على صلتها المباشرة برأس الدولة (القذافي)، أو بناءاً على التحالفات القائمة بينها وبين القبائل الأخرى، وصارت (لمن ترجع) فاتحة لقضاء الحوائج.

ولتعميق هذا البعد القبلي، اعتمد نظام القذافي على التدخل في الشأن القبلي، من خلال الإمساك بمفاصل قضاياها الساخنة والتي تتماس مع مثيلاتها، وكان يخص بعض القبائل بزيارات خاصة، حد الإقامة لفترات زمنية. فعرفنا برقيات القبائل ودعواتها ومنحها القائد منح وعقارات في شكل هدايا.

حتى القبائل التي أظهر بعض أبنائها عصياناً، في شكل محاولات انقلابية أو أعمال سياسية، استطاع القذافي أن يوجد من أبنائها من يقوم على تنفيذ أحكام شعبية، من الإعدام في الساحات العامة، إلى التبرؤ، والحرمان من الحقوق المدنية. ومن الطريف، إن مصطلح الوطن، لا يعني ليبيا بقدر ما يعني البقعة الجغرافية التي تعيش عليها القبيلة وتمتد سيطرتها عليها.

لا شيء تغير

ثورة جديدة يقوم بها الشعب الليبي، يبتغي منها العيش حراً سعيداً، في ظل دولة تكفل له حقوقه وتشعره بإنسانيته. وخلال ثماني أشهر، عرف الشعب الليبي حالة من الالتحام والتوحد لم يعرف لها التاريخ الليبي نظر في تاريخه، ورغم محاولات القذافي المستميتة للضرب على وتر القبيلة، إلا أنه لم ينجح باستثناء بعض القبائل التي حافظت على خيطٍ يربطها به، اعتماداً على تجاربها وما طالها من تعزير.

وانتصرت ثورة 17 فبراير، واكتشف الجميع هشاشة الدولة الليبية، وأنها دولة الشخص الواحد، بلا مؤسسات يعتمد عليها، وكنتيجة مباشرة، عادت القبيلة كحضنٍ قادر على احتواء أبنائه، ومنحهم شكلاً من أشكال الدعم السياسي، وبالتالي تحول الأمر من (مكسب) إلى (غنيمة)، فصارت كل قبيلة تحاول الحصول على أكثر ما تستطيع من غنائم وحصص لتقوية وجودها، وصارت من جانبٍ خفي تتحكم في مصائر الأمور، من خلال المدن التي تتركز فيها والحدود الإدارية. وبمراجعة الكثير من الأحداث التي مرت على ليبيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، سنجد بالبحث الدور الكبير للقبيلة في الكثير من الأمور، فحتى اللعبة السياسية، مورست من خلال القبائل وإن اتخذت مسمى الحزب، وعلى ذات السبيل سارت المؤسسة العسكرية. ولعل المبتدأ كان حكومة (الكيب) التي اعتمدت على المحاصصة.

صراع

عرفت ليبيا بعد 17 فبراير، الكثير من المواجهات والصراعات المسلحة، وسواء شئنا أم أبينا، فإن هذه الصراعات برغم التزويق والتزيين، هي في أساسها صراعات قبلية، فبالنظر لطرفي الصراع سنكتشف أن مكون كل جهة هو مكون قبلي أصيل.

وبالنظر إلى المجتمع الليبي، سنجد إنه حتى المدن الكبيرة تعرف هذه النزعة القبلية، فالمواطن الليبي الذي يعيش في المدينة –طرابلس على سبيل المثال-، تجده لا ينتمي لهذه المدينة التي أفنى فيها جدُ جده عمره، بل هو ينتمي لمدينة ما أو قرية ما، هي في الأساس موطن قبلي، حتى أنا نفسي، وأنا أكتب هذه المقالة، لا أجد نفسي خارج هذه الدائرة –إلا ما رخم ربي-، لأني وجدت هذه الرابطة قد ساعدتني ذات مرة. ولكن هذا لا يعني نسبة الـ100%، فالكثير من العائلات في طرابلس وبنغازي –على سبيل المثال- تقطعت السبل بينها وبين قبائلها من القديم، ولم يعد من شيء يربطها إلا الاسم.

ولو نظرنا للصراع المسلح الذي تعيشه طرابلس الآن، والذي جهّز وحشّد له تحت مسمى (عملية فجر ليبيا)، وتبنته جهة ممثلة في مجموعة من الأسماء تمثل مجموعات عسكرية مسلحة ومجهزة، وقيامها بعملها العسكري دون الرجوع للدولة. سنجد إنه اتخذ الصفة القبلية، فالشارع لا يقول بـ(عملية فجر ليبيا)، لكنه يرى إن ما يحدث هو صراع قبلي بين (مصراتة) و(الزنتان)، وأنه ثمة أحلاف تدعم كل طرف.

والمتتبع سيجد إن الليبيين انقسموا بين مع وضد، باختلاف مرجعياتهم وحساباتهم، وبنظرة سريعة على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، سنكتشف العمق القبلي وأثره الكبير في التكوين الثقافي والمعرفي للشعب الليبي، بناءاً على ما يحدث في طرابلس الآن. وسنجد من التحليلات المدهش والغريب والمتطرف.

إن التحدي الحقيقي لقيام الدولة الليبية، هو بناء العقلية الليبية وإخراجها من دائرة القبيلة إلى دائرة الوطن، أو الولاء للوطن كأرض تجمع الليبيين وتصهرهم جميعاً في بوتقته، بحيث يستفاد من هذا الجهد في بناء الدولة، بدل تشتته في قضايا هامشية.

*

حفظ الله ليبيا

_________________________________________________

1- «القبلية» وطبيعتها في ليبيا / فرج نجم (موقع ؤسان).

فجر .. فزع .. مجهول

ليبيات 38

فجر 15 رمضان

ما حدث في من مواجهات عسكرية فجر 13 من شهر يوليو الجاري، بقدر ما يعكس هشاشة الدولة الليبية، يقدم صورة واضحة عما وصل إليه الوضع الليبي، من صراع على المصالح، ومحاولة لبسط النفوذ والسيطرة، في غياب تام لوجه الحكومة التي تكتفي بإصدار البيانات (حكومة الثني.. حكومة صلي عالنبي)*، وتواطئ من المؤتمر الوطني العام، الذي بارك مثل هذه الحراك، بمنحه الشرعية لهذه الأجسام المسلحة.

ولعل ما يمنح المشهد بعده المأساوي الكبير، أن هذا الحراك العسكري تم بقيادة شخص، وانتهى بإصابته.

من يتحمل الخسائر التي أصابت مطار طرابلس، وطائرات (شركة طيران الأفريقية) الثلاث. من يتحمل الخسائر التي تعرضت لها أملاك المدنيين، من عقارات ومبانٍ إدارية، ومصحات، من يتحمل وزر من قتل في هذه المواجهات، وترك جثة متفحمة تلهبها الشمس، من يتحمل وزر من انتهك حرمة الشهر الكريم.

الصور عن الفيسبوك

الصور عن الفيسبوك

20 رمضان

الكل في طرابلس كان مشغولاً بالتحشيد ليوم 20 رمضان، لتحرير طرابلس ومطاراتها من قبضة المجموعات المسلحة التي تتمركز بها، في عملية عرفت بـ(فجر ليبيا)، تبنتها مجموعة من القيادات العسكرية، والسياسية. البيان الصادر باسم العملية –كما هو على شبكة التواصل الاجتماعي-، لم يحمل توقيع جهة ما أو من يتحول مسؤولية إصداره، إلا جملة تعريفية للـ(المكتب الإعلامي لعملية فجر ليبيا).

الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الحياة الاجتماعية في طرابلس، فالكل مشغول بهذا المجهول القادم في 20 رمضان، الكل خائف، ويتحضر لهذا التاريخ، وكأن التاريخ يعيد نفسه، عادت (طرابلس يا حفرة الدم) نبوءة الشيخ “عبدالسلام الأسمر” للظهور من جديد، وصار الكل يرددها، أعرف أكثر من شخص أخرج عائلته خارج طرابلس، تحسباً لما يخفيه 20 رمضان.

تدخل

المتابع للخطاب الأمريكي الخارجي، ممثلاً في تصريحات الخارجية الأمريكية، وخطابات وأحاديث الرئيس الأمريكي “براك أوباما”، يخرج بخلاصة إن الولايات المتحدة الأمريكية، لم يعد من مصلحتها المشاركة في أي عملٍ عسكري، بشكل تدخلٍ عسكري على الأرض، إلا من خلال تقديم الخبرة أو الدعم الجوي، كما حدث مؤخراً في العراق، لمقاومة تقدم (داعش). لكنها من طرف خفي تلمح إلى إمكانية التدخل إذا دعت الحاجة.

وفي ظل ما يجري من حراك دعى إليه البعض، من أجل حملة توقيعات لتفويض القوى الدولية بالتدخل لحماية المدنيين في كل من طرابلس وبنغازي، فإننا على حافة تدخل أجنبي، كما حدث إبان التحرير، بحيث يقوم هذا التدخل على تحجيم المجموعات المسلحة، قدرة وقيادة، ومن ثم السماء بتواجد أجنبي على الأرض، لحفظ السلام وتمكين الدولة بمساعدة دولية. ولن يكون لدعوات الجهاد ضد الوجود الأجنبي أي صدى في المجتمع، وأعتقد إن الحضور الأمريكي سيكون فاعلاً وكبيراً. وهنا أشير للتحليق المستمر واليومي لطائرات المراقبة في سماء ليبيا، وبشكل مركز فوق كل من طرابلس وبنغازي، لمراقبة المشهد بشكل دائم، ومراقبة لاتصالات ووضع صورة ديناميكية مجسمة للمشهد الليبي لحظة بلحظة.

*

حفظ الله ليبيا

 ____________________________________________

* هكذا توصف الحكومة في الشارع الطرابلسي

ماشية

ليبيات 37

فلسفة

(الناس ما هما إلا في همها)، بهذه الجملة يعلق على ما يدور من حديث حول الأوضاع في ليبيا، وما آلت إليه، ثم في الكثير يردف (اللي زيي وزيك، يبو يعيشوا بس!! لا همهم في كرسي ولا منصب، ولا يدوروا في من يحكم!!!). عند الحديث عن دور المواطن يعلق: (حني شعب سلبي، وأناني، نبوا كل شي يجي بالساهل!!!، نتسلقوا ونتزلفوا، وندوروا فالطرق القصيرة، وزي ما يبي الوقت نجوه!!!).

حياة

بالرغم مما تمر به البلاد من أحداث، وحوادث ومتغيرات جسام، وانفلاتٍ أمني، إلا أن الأمور في ليبيا تسير بشكلٍ مختلف عما يتوقع. فالحياة مستمرة بشكل طبيعي، فسوق العقارات في الزيادة، وحركة البناء مزدهرة، وبشكل عشوائي وغير قانوني في أغلبه، والسوق مفتوح على البضائع من كل صنفٍ ولون، دون رقيب.

أما الأهم، فهو عدد الأعراس التي تكاد تكون بشكل يومي، بحيث لم يعد الصيف موسم الأعراس، أو الربيع، كل فصول وأيام السنة مواعيد مقترحة.

–         تخيلوا صالة باش اندير الحفلة مالقيتش، كلها محجوزة لتلاتة شهور القدام.

وفي مقابل هذه الزيادة، ثمة ارتفاع في عدد المواليد، كما يؤكد أكثر من طبيب، مع ملاحظة في زيادة عدد المواليد الذكور عن الإناث.

تعوّد

–         خلاص تعودنا.

نعم، لقد وصلنا إلى حالة من التشبع، تسمح لنا بعدم الاكتراث، أو الالتفات إلى أي صوتٍ صادر، واعتبار أي جلبة قريبة أو بعيدة، أمرٌ عادي، ليس من الضروري التوقف عنده، أو منحه جزءاً من اهتمامنا.

وجملة (خلاص تعودنا)، هي ردي على:

–         هو فيه أيه؟

التي تصدر مباشرة عن أحد الزملاء من مصر الشقيقة، كلما سمع جلبة سواء صدرت عن سلاح أو ألعاب نارية.

طبيعي

كلما وصلني خبر وفاة، أجدني أسأل:

–         طبيعي؟

فبعد أن كانت الحوادث أحد أعلى أسباب الوفيات في ليبيا، يدخل السلاح المنافسة، فمن وفاة بسبب رصاصة ساقطة، إلى إصابة بدون قصد، إلى القصد، الذي تنوعت أسبابه، وأشكاله. للدرجة التي صرت أردد فيها:

–         قبل كملنا الحديد!!!، وتوه بيكملنا النحاس!!؟؟

قناعة

–         هو صح ملخبطة وخاشة في حيط، وما فيش أمان، والبنزينة ناقصة، والكهرباء سطر بسطر، وما فيش دولة، والتعليم والصحة باي باي، والليبي اللي كان رافع راسه دنقر، لكن مقيولة؛ ليلة قبرك ما تبات لبره، وما دام في الحياة عمر، عيشه وتوكل على المولى!!!

الـتركـة

ليبيات 36

بالرغم من غرائبية ما يحدث في ليبيا الان، إلا إن التفكير يقودك بشكلٍ مباشر، إلى إرث أكثر من 40 عاماً عاشها الشعب الليبي مغيباً عن واقعه، بعيداً عن تاريخه، محاصراً من الداخل والخارج. وتأسيساً على إرث من الظلم والفقر والجهل، نشأ المجتمع على مجموعة من القيم، ظلت تتأكد وتترسخ على مر السنوات، في مجموعة من الآليات الدفاعية والسوقية والعلائقية، في شكل ثقافة مجتمعيّة؛ وهي حتى وإن لم تكن ظاهرة بشكل كبير كسلوك جماعي موجه، إلا إنها تشكل جزأ كبيراً من ثقافته، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر في نمط تفكير الفرد وسلوكه.

وحتى يظهر هذا السلوك في شكل الجماعي، فإنه يحتاج لحافز، يعمل على منح المشروعية لهذا السلوك بالظهور، دون أن يغيب عنّا، إن هذ السلوك هو الشكل الظاهري لهذه الثقافة، بالتالي عدم وجود السلوك، آنياً، لا يعني انتفاء وجود أساسٍ ثقافي لها، خاصة؛ وإن الشعب الليبي –أو ليبيا كوطن-، لم يصل إلى حالة من التوازن السياسي تضمن له الاستقرار، وتمنحه الفرصة لمراجعة أفكاره.

كانت ليبيا تعرف حالات بسيطة من الاستقرار، لا تسمح للمجتمع بمراجعة أفكاره أو تراثه الثقافي، بالتالي فإنه ي كل مرحلة، يقوم على تطوير آليات تعامله مع الواقع الذي يعيشه، والقوى الذي تتحكم بمقدراته، حتي يتمكن من الاستمرار.

وبالعودة للوراء، سنجد أن سنوات الاستقلال الـ18، منحت المجتمع نوعاً من الاستقرار في ضوء الخطط الإنمائية الموضوعة، والرغبة في بناء دولة حديثة على أسس صحيحة، لكن الـ69 جاءت بانقلاب “القذافي” الذي أعاد البلاد نظاماً وسياساً لنقطة الصفر، تهديماً، وهكذا دواليك، دأب نظامه على الهدم الممنهج؛ فالعشرية تبدأ بمنهجٍ وطرح، يلبي رغبة ما، وسرعان ما ينتفخ وينطلق كبالون، وما إن تنتصف العشرية حتى، يخفت الحماس، ويعود المنحنى للصفر. أربع عقود مرت في ظل نظام “القذافي”، اعتمدت مبدأ (لا نظام)، الأمر الذي لم يتح للمجتمع بناء قاعدة ثقافية تمكنه من التعرف على متطلبات واقعه وتلبيتها، ومواكبة الحراك العالمي ومتغيراه.

القلق، هو الحالة النفسية التي يمكن أن نصف بها المجتمع الليبي، أفراداً وجماعات، الأمر الذي جعله يحيط نفسه بالكثير من الدفاعات، ويتخذ من الوسائل ما يضمن له الاستمرار، والبقاء.

سنرى إن المجتمع الليبي خلال الـ42 سنة من حكم نظام “القذافي”، كان يسير على مبدأ قانون نيوتن الأول للحركة؛ والذي يقول إن الجسم يظل على حالته مالم تؤثر عليه قوة خارجية، وفي مرحلة ثانية؛ يبقى الجسم المتحرك، في حركته وفي اتجاهه، مالم تؤثر عليه قوة تؤثلا على سرعته أو اتجاهه، أو كليهما معاً. إذن، فالمسألة تتعلق بالقوة.

أهم النتائج المباشرة للقلق، هو عدم ثقة المواطن بالدولة، وهو ما يجعل المواطن يبدأ بالبحث عن حلول لمشاكله، بدون التعويل على الحكومة، ومن الفرد، يتحول الأمر إلى رؤية وتوجُّه على مستوى المجتمع، الذي يحاول استيعاب سياسة الدولة، والتكيف معها.

وفي موازاة هذا الوضع، نشأت حالة من الأنانية، كأثر جانبي، والانكفاء على الذات ومحاولة إحاطتها وحمايتها، فنشط دور القبيلة، وصار مفصلاً مهماً وفاعلاً في المجتمع، والدولة.

الهدف جمع الشعب الليبي في 17 فبراير 2011، ووضعهم بعد انتصار الثورة أمام حقيقة أنفسهم، حقيقة قدرتهم على إدارة أنفسهم بدون وجود كيان سياسي حاكم، إذ لم يعمل النظام السابق على بناء مؤسسات الدولة، وتأكيد وجودها.

وفي واقع لا رقيب فيه، تحركت رواسب السنوات، معكرة صفاء الماء، وصاعدة على للسطح صابغة إياه بلونها الداكن.

في لحظة وجد الليبي، مواطن ومجتمع، بلا قيود، هائماً بدون هدف، فانطلق ينهش هنا، ويجرح هناك، ويرقى هناك، ويذهب هناك. الليبيون وحدهم هدف؛ القضاء على “القذافي”، والذي ما إن تحقق، حتى وجدنا البوصلة توقفت.

توقفت لأن الإرث الثقافي للمجتمع، لم يساعده على الوقوف، أو الاستمرار؛ فمسألة الوطنية –مثلاً-، نسبية، لا تعني بالضرورة الوطن –ليبيا-، بقدر ما تعني المنطقة أو القبيلة، إنها تختلط بمسألة الانتماء الاجتماعي أو الأسري، فالوطن يساوي الأرض التي تحوزها أو تمثل جغرافيا القبيلة أو المدينة.

إن المجتمع الليبي، بقدر ما يعاني من هذه الضعف الداخلي، بقدر ما يحتاج إلى وقفة حقيقية مع النفس، يكون همها دعم الروح الوطنية وتعريف المجتمع بالدور الحقيقي المنوط به، بعيداً عن تأثير القبيلة والأحزاب، وتوجيه الجهود باتجاه البناء، ليكون نابعاً من داخل كل فرد بالمجتمع، كل يؤدي دوره، بأمانة وفي المكان المطلوب.

*

حفظ الله ليبيا

https://www.google.com.ly/url?sa=i&rct=j&q=&esrc=s&source=images&cd=&cad=rja&uact=8&docid=VIpqT7yeBdaGjM&tbnid=FbsN-626Bo6ydM:&ved=0CAUQjRw&url=%2Furl%3Fsa%3Di%26rct%3Dj%26q%3D%26esrc%3Ds%26source%3Dimages%26cd%3D%26cad%3Drja%26uact%3D8%26docid%3DVIpqT7yeBdaGjM%26tbnid%3DFbsN-626Bo6ydM%3A%26ved%3D0CAUQjRw%26url%3Dhttp%253A%252F%252Falsature.wordpress.com%252F2012%252F10%252F31%252F19772%252F%26ei%3DK92AU6znMsSwPOXcgKgL%26bvm%3Dbv.67720277%2Cd.ZWU%26psig%3DAFQjCNFt4pTZJ2GdC4BexGuH6ZnAtqVqxA%26ust%3D1401040461740633&ei=K92AU6znMsSwPOXcgKgL&bvm=bv.67720277,d.ZWU&psig=AFQjCNFt4pTZJ2GdC4BexGuH6ZnAtqVqxA&ust=1401040461740633

ليبيا بين مطرقة الذات وسندان المصالح

ليبيات 35

1

تثبت الوقائع والحقائق، أن الإنسان عدو نفسه، وأن هذه العداوة تتناسب تناسباً طرديا مع مصلحته. وكنتيجة مباشرة، كما زادت عداوة الإنسان لنفسه، زادت عداوته للآخر، والسبب اتساع دائرة مصلحته الشخصية، والتي ستتقاطع ضرورة واضطراراً مع دائرة مصلحة الآخر. وطبقاً لدرجة عداوته لذاته، ستكون ردة فعل حمايته لدائرته.
وربما هذا الرأي -الشخصي- يفسر كيف يقوم إنسان، بقتل أخيه الإنسان؟، وفي الجانب الآخر، لماذا تركز الأديان على مسألة التسامح والتصالح مع الذات، وما الصلاوات إلا رحلة في النفس، والصوم مجاهدة لرغباتها، والزكاة مغالبة، والحج رحلة لله.

المحن والابتلاءات، تكشف الإنسان، وتضعه في مواجهة نفسه، ومقدرته على تجاوزها بتجاوز حواجزه الداخلية، أو وتقليص دائرته وقبول الآخر.

الليبي

2

في ليبيا، كشفت الأحداث -ما بعد ثورة 17 فبراير-، مقدار ما يحمله الليبي من عداوة لنفسه، ولا أعمم، إنما الغالب أو الظاهر في المشهد من حولنا، إن ثمة عداولة الليبي لنفسه، في أعلى مستوياتها، ودرجاتها، الأمر الذي إن لم يجعل البلاد تراوح في مكانها، أرجعها للخلف.

إذ وبكل وضوح، نلمس بشكل مباشر، اتساع دوائر المصالح الشخصية، وغزوها للدوائر الأخرى، وصار من السهل -كما نسمع ونعايش-، السلب والنهب والقتل، من أجل أن يدخل جزء من دائرة الآخر ضمن دائرته، وتمّلكه.

وفي عدم وجود مؤسسة لحماية القانون، وفي وجود السلاح، فإنه سيكون من الصعب على المجموعات المسلحة، التخلي عما وصلت إليه، بالرغم من شكلها الشرعية -المغتصب-، فدائرتة مصلحتها أكبر مما تتوقع، بالتالي فهي لن تتوانى في إطلاق الرصاص دفاعاً لكسب مساحات لدائرتها.

3

كنا نقول إن ليبيا -كبلد- تختلف عن مثيلاتها العربيات، وإنها وحدة واحدة، وأنها لن تكون يوماً كلبنان أو العراق، والسبب؛ أننا بلد/مجتمع إسلامي سني وسطي، لا طوائف ولا ملل ولا مذاهب.

لكن على الأرض، فإنه لا ضرورة للمذاهب أو الطوائف أو الملل، ولا حتى المذاهب، لنشوء مواجهات مسلحة بين المجموعات المسلحة، على أسس قبلية، ومناطقية، واعتقادي، وتكتليّة. وكلها دوائر تتسع بمقدار اتساع المصالح. ورأينا مقدار العداوة للذات، متمثلاً في قسوة المواجهات، واحتدام الصراع، واستحلال الحرمات.

4

إن واقعنا، يكشف وصولنا لدرجة عالية من عداوة الذات، الأمر الذي يتمثل بشكل صريح في عدم تعاطينا لمبدأ الحوار، أو التواطوء بغية الوصول لمنطقة وسط، فالمبدأ القائم الآن هو؛ إن لم تكن معي، فأنت ضدي!!!. وهندسياً، يعني هذا: خطان متوازيان، سوف لن يلتقيا، إلا لو غصبا.
*
حفظ الله ليبيا