ليبيات 4.. زردة (المشاركة الليبية في معرض القاهرة الدولي للكتاب)

 

مشهد أبيض وأسود

أكثر ما استفدته من طبيعة عملي بأحد الشركات، هو بعدي عن الوسط الثقافي، الذي أفادني كثيراً وعلى أكثر من صعيد (شخصي ومعرفي)، خاصة وإن الوسط لم يكن بذلك الذي كنت اتمنى –أتخيل-، إلا من بعض الأسماء التي آمنت بالإبداع. وأذكر أنَّا كمجموعة شابة ضمن أعضاء رابطة الأدباء كيف حاول البعض استمالتنا للتصويت لمرشحهم لأمانة الرابطة، أو كيف كنا نتلقى التعليقات عن ضعف تجربتنا دون أن تردف هذه التعليقات بالنصح أو النقد البناء (بات ليلة في الدباغ.. صبح قربة). وغير ذلك الكثير من الأمور التنظيمية التي دعتني للابتعاد عن الأنشطة الثقافية، كالارتجالية، واعتماد أسلوبُ (العوالة/ واسمع تعال/ وما تبيش عزومة)، أسماء بعينها موجودة في كل نشط، برامج لابد أن تكون بذات الشكل، ومن أغرب ما عايشته يوم أن صدرت مجموعة الصديق “غازي القبلاوي” القصصية (إلى متى؟) وحملها الشاعر “……..” بين يديه وقال: شوفوا كاتب اسمه فوق العنوان شن يحساب روحه.

ثم قام برمي الكتاب على الطاولة، وأنا متأكد إنه لم يقرأه حتى لحظة كتابتي هذه الكلمات.

مشهد ملون

وصلت القاهرة على متن الخطوط الافريقية مدعواً من قبل وزارة الثقافة، صحبة زوجتي المدعوة أيضاً، وطفلنا الصغير. للحضور والمشاركة ضمن فعاليات الدورة الـ44 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب وقد التقينا على متن الطائرة بعض المثقفين والمدعوين للمشاركة وأيضا من تحمل تكاليف السفر على حسابه، وقد أخبرنا أحدهم مشكورا بأنه قد تكون هناك سيارة لنقل المجموعة من المطار، انحشرنا بداخلها صحبة حقائبنا، وانطلقت بنا إلى فندق “سونيستا” على أمل الحصول على حمامٍ دافئ سريع وقسط من الراحة، نخرج من بعده في جولة بالمكان استعدادً لزيارة المعرض في اليوم التالي، خاصة وأني أمضيت ساعتي التحليق في مراجعة الورقة الخاصة بالتجربة الشعرية الجديدة، بينما زوجتي كانت قد استعدت باكراً للأمسية القصصية بقصة جديدة خصت بها المعرض.

وصلنا الفندق، واتجهت من فوري إلى الاستقبال للحصول على الحجرة، لكن قبل وصولي أوفقني الأستاذ “عبدالفتاح البشتي”: راهو ما فيش حجز.

استغربت الأمر بداية، لكن حالة الاستغراب تحولت إلى حالة غضب (شياط وعياط)، فوزارة الثقافة قامت –عن طريق اللجنة- بإبلاغي أنه ثمة حجز لمدة ثلاثة أيام لي، وأخرى لزوجتي. طبقاً للبرنامج المعد لفاعليات المشاركة الليبية كضيف شرف لهذه الدورة. لكن الواقع يقول إنه لا حجز وعلينا تدبر أمرنا، وعلينا انتظار المفوض المالي حتى الحصول على الـ1200 دولار اً مخصاصتنا عن مشاركتنا ضمن فعاليات ضيف الشرف. وبعد أكثر من ساعتين من الانتظار ببهو الفندق، همس في أذني أحد المشرفين: بالشوية، أركب للدور التامن حجرة (811) باش تاخد البوكت موني بتاعك.

وبالفعل استلمت مخصاصتي وزوجتي وبدأنا التفكير في كيفية السكن، ففكرة السكن بالفندق بسعر 250 دولاراً لليلة رهيبة وأكبر من امكانياتنا خاصة وإن موعد عودتنا المفترض –الصادر عن أحد المكاتب المكلفة من قبل وزارة الثقافة- هو 7 فبراير.

باختصار ذلك اليوم (الأحد 27-1-2013) الذي ابتدأ الساعة 4 صباحاً في طرابلس انتهى عند الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت القاهرة بعد حصولنا على فندق معقول للمبيت غير أنه بعيدٌ جداً عن المعرض. وهكذا كنت مرهقاً ومتعباً ولم أقدر على المشاركة أنا أو زوجتي.

وقائع

– علمت بمشاركتي وزوجتي في المعرض بطريق المصادفة، وكنت محرجاً من السؤال، وعندما اتصلت قيل لي: وينك.. جيب جوازك وجواز الأستاذة وتعالى توه.

– لم نبلغ بشكل رسمي بمشاركتنا وطبيعتها. وجدت اسمي في برنامج نشر على الفيسبوك في ندوتين، واسم زوجتي في أمسية قصصية.

– اقترحت على اللجنة أن يتم اختصار مشاركتنا في يومين بحيث تكون فترة إقامتنا في القاهرة خمسة أيام على أبعد تقدير. لكن حتى لحظة كتابتي هذه الأسطر لم أتمكن من تقديم موعد الرجوع عن الموعد المسجل بالتذكرة (7-2-2013).

– لم أكن وحدي الذي وقع بمقلب وزارة الثقافة، لكن أسماء مهمة كانت ضحية هذا التنظيم المميز للمقلب. بالمناسبة ثمة من كان على علم بهذا الأمر وقام بتنسيق أمور إقامته.

– مما اكتشفته؛ إن ثمة تمييز بين المشاركين، وهذا التمييز يختلف من مجموعة لمجموعة، فجماعة الصحافة تمتعت بالحجز الفندقي، وجماعة مجلس الثقافة نالوا أكبر مخصص مالي، أما جماعة وزارة الثقافة فكان التمييز يختلف من شخص إلى آخر في المخصص المالي والإقامة. كما إن ثمة من يتمتع بالإقامة الفندقية (خمس نجوم) والمخصص المالي وهو ليس من أهل الثقافة (إداريون، سكرتيرات، عاملوا مقهي،….).

– زيارة بسيطة لجناح ليبيا –ضيف الشرف- يكشف فقر المشاركة وبساطتها بالمقارنة مع ما قدمته بعض دور النشر العربية المشاركة أو الهيئات.

-استغربت أن الحضور في المناشط كان ليبياً (زيتنا في دقيقنا). وحدهم الصحفيون المصريون من يزور الجناح لإجراء الحوارات وأخذ التصريحات.

إحراق البيوت وتهجير الأهالي في منطقة (بئر عجاج) من قبل ميليشات مسلحة

بئر عجاج 2

تعرضت قرية (بئر عجاج) الوقعة 70 كم جنوب غرب طرابلس ويحدها(وادي الحي) غربا و وادي(بو شيبة) شرقا وطريق (العزيزية) و(بئر أخيار) جنوبا الى هجوم مسلح يوم أمس 14/1/2012 ما بين الساعة العاشرة والحادية عشر صباحا، ويفيد شهود عيان أن الميليشية المسلحة كانت تضم 35 الى 40 سيارة عسكرية ومدنية مدججة بأنواع مختلفة من السلاح وقاموا بإحراق المجلس المحلي للقرية وإحراق بيوت الأهالي اللذين خرجوا منها وتركوا ورائهم بعض الشباب يدافعون عن بلدتهم بإمكانياتهم البسيطة.

ويفيد الدكتور أبو القاسم عبد الله الأعوج أحد شهود العيان، أن هذا الهجوم لم يكن الأول فقد هاجمت ميليشية مسلحة يوم الثلاثاء الماضي الموافق 8/1/2012 تتكون من عشر سيارات مدججة بالسلاح المجلس المحلي للقرية وسرقوا محتوياته وهددوا الأهالي وأمهلوهم ثلاثة أيام لإخلاء المدينة، ناسبين أنفسهم لمنطقة مجاورة تحد في هذه المدينة دون إظهار أي هوية أو صفة للدولة ويقول دكتور أبو القاسم أن هذا الصراع هو صراع قبلي يعود لعشرات السنين غير أنه اشتد وزاد مع انتشار الأسلحة في ليبيا بدون حسيب أو رقيب، وقد زودنا الدكتور أبو القاسم الأعوج ببعض الصور والتسجيلات التي تظهر بيوتاً محروقة يقول أنها في منطقة (بئر عجاج).

ليبيات 3.. عــزْل وغــزَل

عــزل

يكثر في هذه الأيام الحديث عن قانون العزل. وبغض النظر عن مشروعية إصدار هذا القانون من عدمه في غياب الدستور، إلا أن هذه لا يغير من حقيقة الأمر، ومدى إخلاص النية في إصدار مثل هذا القانون.

فإن كان القصد من القانون هو عزل كل من عمل في نظام الطاغية، فإن المنطق يقول بعزل (إقصاء) كل من عمل مع النظام طوال الـ42 سنة الماضية، في أي منصب أو وظيفة تحمل طابع المسؤولية، شاملاً كل من تصالح مع النظام وسايره، حتى يكون لهذا القانون معنى، بحيث لا يقتصر على من عمل مع النظام خلال السنوات الأخيرة أو من عمل ضد ثورة 17 فبراير المجيدة، وإلا فهو قانون يتم تفصيلة لعزل وإقصاء مجموعة بعينها، مما لا يبشر بسلامة النية من وراء هذا القانون، الذي نفترض إن الغاية منه هو المحافظة على ثورة 17 فبراير من المتسلقين وممن قد يؤثرون في مسيرة البلاد والخروج بها من إرث الجهل والتخلف.

وبالرغم من إيماني بضرورة العمل الجماعي والمشاركة بين كل الليبيين، دون النظر لخلفياتهم، وأن ليبيا تحتاج الجميع من أجل المرحلة القادمة، إلا أنني أؤمن بهذا القانون لعزل كل من استفاد وصعد على أكتاف الليبيين –حد الإدماء- لأجل مصلحته الشخصية، دون النظر لمصلحة البلاد، ولكل من كانت له يدٌ في استغلال العرق والجهد الليبي، واستحلال دماء الليبيين من أجل أن يستمر نظام الطاغية. ولكي يكون قانوناً حقيقياً، لابد أن يكون عادلاً في نظرته وآلية تطبيقه، ولابد أن يشرح بالشكل الصحيح للمواطن حتى يكون على مستوى من الوعي يمكنه من متابعة تطبيق القانون. وإلا دخلنا في دوامة التطبيق، بحيث يُساء استخدام القانون، ليتحول إلى وسيلة لحبس وإقصاء الغير، أو جسر لبلوغ مصالح شخصية، أو مشجب تعلق عليه الأخطاء.

فالشارع الليبي يعاني من حالة من عدم الفهم، وبمعنى أصح الوعي بماهية العزل السياسي أو الغاية منه، خاصة وإنك تسمع رجل الشارع يتحدث عن ضرورة السرعة إصدار هذا القانون وتطبيقه، لأن الموظف يريد إقصاء رئيسة المباشر في إدارته، والمدرسة تريد عزل مديرة المدرسة، والطالب يريد أن ينحي أستاذه، وبالتالي سينقسم المجتمع بين مطالبين بالعزل ومعزولين، ومن بعد سيتطلب الأمر قانوناً آخراً للتعامل مع من تم عزلهم،. والمعنى إنا سنجد أنفسنا دوامة، نحن كمجتمع في غنى عنها، ليكون اهتمامنا موجها لبناء ليبيا ومنصباً حول السبل والوسائل للخروج من إرث التخلف والخرف الذي عشناه لـ42 سنة.. والله من وراء القصد.

غــزل

لا يمل مؤتمرنا الوطني من مغازلة المواطن الليبي، ليس حباً –كما أظن-، بل محاولة لمص الاحتقان الذي يشعر به المواطن، وما يمر به من ظروف اضطراب الحالة الأمنية في البلاد، وفي ذات الوقت، دغدغة يقصد منها أن المؤتمر –ممثلاً في أعضائه- يعي حاجة المواطن الليبي واحتياجاته.

وتتمثل هذه المغازلات، في مجموعة من القرارات والنقاشات تمس المواطن اقتصادياً، فمن نية بإيقاف الفوائد على السلف والقروض، إلى زيادة علاوة العائلة، وزيادة علاوة السكن، والمرتبات، والعيديات، والمنح المالية للأسر والثوار، وغيرها. وفي ظني إنها محاولات الغاية منها كسب رضا المواطن، أو تسكينه، أو تخديره لبعض الوقت –كما يعلق أحدهم-، وهو أسلوب تعوده الليبي من قبل، ولم يعد يثق إلا فيما يتحقق من وعود أو قرارات، وفي ذات الوقت ينتظر أن ينتصر له المؤتمر ولحقوقه المسروقة منه لأكثر من 40 عاماً، عانى في ضيق العيش، حد أن يضطر فيها لاستحلال الربا من أجل بناء 90 متراً (يدك فيها راسه هو وعويلته). والمواطن الليبي بقدر حاجته الاقتصادية، إلا إنه يؤمن بضرورة أن تقوم البلاد على أسس اقتصادية تضمن مساواة فرص العمل، وأن يكون العطاء بقدر الجهد المبذول والتعب والتحصيل المعرفي (فأنا ما نطلبش ولا بناخد حاجة مش ليا، أنا نطالب بحقي، وحقي المفروض يكون على حسب شهادتي وجهدي، مش أكثر، عاملوني صح واعطيني عرقي، مش تخليني نخدم على تاكسي وتقولي خيرك ما تجيش الخدمة).

وأريد أن أنبه إلى نقطة مهمة –وأزعمها خطيرة- هي فقد المواطن الليبي الثقة في حكومته ممثلة في المؤتمر الوطني و الحكومة المؤقتة، لسببين؛ الأول خبرته السابقة في عهد الطاغية، والثاني التعالي في التعامل مع عقلية المواطن. مما ينعكس سلباً على أداء المواطن في المرحلة القادمة، مرحلة البناء والتعمير. والله من وراء القصد.

________________________________

نشر بصحيفة الكاف الإلكتروية

حــكاية ســـالـم

حكايات 3

لم يكن بالشاب الطموح، أو الحالم، كان الانكسار علامتهُ المسجلة، والخوف من الغد رفيقه الذي لا يمله. من يعرفه كان يؤكد إنه على مسافة خطوة من الانهيار، أو الدخول عالم الهذيان، كما دخله الكثير من مجايليه. لكن لسببٍ ما ظل هذا (البورا) قوياً حتى اغتنم هبة ريح دفعت بها الأقدار مركبه الصغير، وقتها.

كل نصيبه من التعليم، شهادة متوسطة في التبريد والتكييف، لم تستطع أن توفر له مصدر رزق، يساعده على البدء في بناء مستقبله، الذي صار يراه بعيداً، أكثر أكثر في كل يوم. دخل سوق العمل عاملاً في مقهى، قريباً من منطقة سكناه، يعينه على مصارف الأيام. يخرج من منزله صباحاً ليعود إليه مساءاً منهكاً، ليعيد صباحاً الدورة من جديد.

يحكي صديقه، أن كل حلم “سالم” كان محصوراً في بيت، يملكه، يكون عشه الذي يحض أسرته. والده، غفير وأمه ربة بيت، وله من الأخوة ثلاث؛ أخت كبرى تزوجت باكراً، وأخوان يكافحان في الدراسة الجامعية، يصغرانه.

قلت إن هبة ريح ساقت مركبه في اتجاهها. والقصة، إن صاحب المقهى قرر بين عشية وضحاها أن يغير نشاطه إلى محل ملابس نسائية، بحجة (إن القهاوي ولوا أكتر مالعباد، ومحل ملابس نسائية ربحه مضمون وما فيشي صداع هلبة، جيب وحط وارفع). وهكذا وجد “سالم” نفسه يجلس إلى ركابة الشارع، أو يدور ماسحاً صفحة الشوارع بوجهه. حتى أن اصطدم بأحد الأصحاب:

– وين؟

– بطالة… وانت؟

– نخدم في اللجنة الشعبية للـ……..

في اليوم التالي للقاء، كان صاحبنا أمام مبنى اللجنة ذاتها في انتظار صاحبه، الذي أدخله على أحد المدراء:

– هذا مفتاح القهوة، وشوف أمورك.

تحولت الـ3×4 متر إلى شيء آخر، فلم تعد تقدم الشاي والقهوة، بل صارت تقدم وجبات الأفطار والغداء لمن يتأخر من الموظفين، وبعد مضي أشهر، استعمل صاحبنا عاملاً للمساعدة وإيصال الطلبات للمكاتب. أما كيف ابتسم الحظ، فالقصة بسيطة، من سابق خبرته، كون “سالم” علاقة مع أحد مطاحق القهوة، فخصة صاحبها ببنٍّ خاص يقوم بخلطه بيديه، وكبادرة حسن نية منه، خص صاحبنا “سالم” أمين اللجنة بفنجان صباحي من هذا البن. ثم ماذا، تحول “سالم” إلى كرت الوصول المضمون للأمين والحصول على التوقيعات، ثم، رفيقه في خلواته وسهراته، ثم، استعمل عاملاً آخر، وتخصص هو في قهوة الأمين والأمناء الذين أعجبتهم قهوته، وهم كثر، ثم، سيارة، قطعة أرض، مبنى من دورين، وأخيراً تحقق حلم البيت، وتزوج، وزين العش بفرخين. تحول الانكسار إلى انتصار. صار محسوداً من جيرانه لما وصل إليه، ومقصد الجميع لطلب أي واسطة، أياً كانت وكيف؟

من خلال اقترابه اليومي، لمس قلق الجماعة مما يحدث في تونس، والاضطراب الذي أصابهم بانتصار الثورة المصرية، وكرد فعل طبيعي، انتقل إليه الخوف من انتفاضة الشعب:

– أنا شن عليا.. لاني أمين، ولاني غيره..

عاش مسيرة ثورة 17 فبراير على أعصابه، زادت المسافة بينه وبين الأمناء كثيراً، والأصدقاء تبخروا، والجيران تغيرت نظرتهم إليه، فانتقل بعائلته وأسرته إلى بيته الجديد الذي أنتهى من بنائه قبل بداية الأحداث، أدمن الجلوس إلى التلفزيون ومتابعة القنوات الإخبارية، ومحاولة قراءة الغد، كان لا يخرج إلا للضروري، اشترى الغاز والبنزين ولم يناقش، احتمل صوت الطائرات ليلاً، ونيرانها. كان يعرف حجم الفساد الذي تعانيه البلاد من خلال اتصاله بأهل العقد والحل. وكان يقف على الكثير من التجاوزات، وساعد الكثير. كان كل همه بناء بيت وإعمار عُش، وأنه كمواطن له نصيب من الكعكة التي يتقاسمها الكبار، ولو كان فتاتاً.

بعد التحرير وجد “سالم” نفسه ضيفاً على أكثر من مجلس عسكري، يُحقق معه بالساعات، ويطلب منه الإدلاء بما لديه من معلومات عن فلان وعلان. آلاف الرصاصات والهتافات رافقت يوم القبض عليه أول مرة، أصاب الهلع أهل بيته وفرخيه، بكت أمه وتوسل أبوه، لكن لا صوت سمع في جوقة القبض على أحد أعوان النظام.

لم توجه إليه أي تهمه، صفحته بيضاء من الدم والمشاركة في أي عمل ضد ثورة 17 فبراير المجيدة، حمل في يديه أكثر من خمس رسائل تفيد بأنه (أبيض). عندما عاد لبيته بعد مسيرة التحقيقات الطويلة، وجده خالياً، لا شيء فيه، حتى الحمامات رفعت من أماكنها. عاد للمجلس العسكري، أخبرهم بما حدث:

– شوف يا خوي.. كبّر وبس.