الشّعبُ الطّيب

حكايات ليبية

تدمير

“روجر” مهندسٌ كندي، قبل قدومه للعمل بليبيا، كان يعمل بالإمارات. ولأنا زملاء، فإن أوقات الفراغ من العمل، نقضي أغلبها في الحديث في الكثير من الأمور، العامة والخاصة –أحياناً-. ولأنه متابعٌ جيد لجديد هوليود، فكانت السينما موضوعاً مشتركاً لأغلب حديثنا، متابعة، وتعليقاً على الأفلام والممثلين.

أحداث طرابلس الأخيرة، كانت الموضوع الذي استأثر باهتمام الجميع دون استثناء، خاصة وإن “روجر” لم يخرج مع الرعايا الأجانب، وقرر البقاء كما هي مواعيد جدول عمله. وفي ذات جلسة، قادنا الحديث إلى السياحة والمناطق والمزارات السياحية في ليبيا، من غدامس غرباً، مروراً بصبراتة ولبدة الرومانيتين، حتى الوصول إلى طبرق التي احتضنت أقوى معارك الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء والمحور. ليشمل الحديث مناطق كوادي الكوف، والأبرق، والجب الأخضر، وما تحويه الصحراء من كنوز لم يتم الكشف عنها بعد. تطقنا في حديثنا عن التعتيم الذي مُرس بشكل مقصود، حال دون استثمار هذه الموارد بالشكل الأمثل، لتنمية البلاد، وخلق مواطن شغل، وجلب للاستثمارات.

لحظتها تدخل “روجر” متسائلاً:

– شعب يملك كل هذه المقدرات والإمكانيات، لماذا يقوم بتدمير بلاده؟

الشعب الطيب

كانت جلسة حميمية، جمعتني وزوجتي مع مجموعة من الأصدقاء الإنجليز، باستثناء “ستيوارت” الايرلندي. كان الحديث يتنقل بنا من موضوعٍ لآخر، حتى وصلنا الوطن العربي، وحديث عن المجتمع العربي ثقافة وتقاليد، هنا ضحك “ستيورت”، وقال:

– عندما زرت (……….)، تم استغلالي بشكل سخيف ومبالغ فيه، فكنت أشتري الأشياء بضعف الثمن، أما أكبر استغلال، فكان يوم أن تم إلباسي لباساً تقليدياً للتصوير مقابل 100 دولار.

هنا التفتت الصديقة “هيلينا”، سائلة:

– كيف أنتم في ليبيا؟، هل عندكم ذات الشيء؟ على الأقل أنتم دولة نفطية غنية!!!.

هنا تقاسمت الحديث وزوجتي، في بيان طيبة الشعب الليبي، وما يتمتع به من كرم حاتمي، وكيف يجد عندهم الغريب حاجته، وكيف يحترم مجتمعنا المحافظ الأجنبي ويعامله معاملة ابن البلد وزيادة. وحكيت لها حكايات بعض الأجانب الذين يعملون في ليبيا منذ سنوات طويلة، ومازالوا يصرون على الاستمرار في أعمالهم، ومنهم السيد “مارك سلاي” الذي وقتها أمضى أكثر من 26 سنة كمدرس للغة الإنجليزية، ضمن إدارة التدريب بـ(شركة سرت للنفط).

عند مغادرتنا بريطانيا، كانت “هيلينا” الصديق والأخت، في وداعنا في مطار (نيوكاسل)، وكانت آخر كلماتها:

– سأزوركم في ليبيا.

كانت الاتصالات فيما بيننا بكل مستمر، حتى تم الاتفاق على أن تكون زيارة “هيلينا” في أبريل 2011. لكن فبراير حجب المشهد. آخر اتصال لها كان في مارس 2011، حيث كانت تطمئن عن حالنا، وفي ختام اتصالها قالت: سنخصص اليوم جزء من صلاتنا لحماية الليبيين.

حال تحرير طرابلس، وعودة الاتصالات، اتصلنا بها لطمأنتها، وتجديد الدعوة، خاصة وليبيا تدخل عهداً جديداً. لكن الأحداث في ليبيا سارت عكس ما نهوى. ثالث أيام عيد الفطر الماضي، اتصلت “هيلينا” للتهنئة والمباركة، وكالعادة استمر الحديث أكثر من ساعة، بمشاركة والدتها، تحدثنا فيها عن كل شيء، خاصة ما يجري في طرابلس، وأنها تتابع ما يحدث باهتمام، لتسأل:

– رامز، أين هو الشعب الطيب الذي أخبرتني عنه؟

وطن الهوية

“فائق” شاب ليبي، ورب لأسرة صغيرة (راسين ورويّس). يمارس حياته اليومية بشكل اعتيادي ككل الليبيين البسطاء، لا تشغله السياسة ولا أمور السلطة، كل همه توفير لقمة عيش حلال، والإخلاص في العمل، وهكذا بعد التحرير كان من السباقين للالتحاق بالعمل:

– يا ولاد، هذا وقت الخدمة.

لفترة افتقدناه من المشهد اليومي، سألت قيل إنه في إجازة، هاتفه مقفل، والجميع يؤكد أنه خارج ليبيا، أما أحد الزملاء، فأكد إنه قد باع شقته؛ التي كافح واجتهد من أجل الحصول عليها. وهكذا حتى وجدت يوماً الزملاء في هرج، لأدرك أن “فائق” يتوسط الجلسة، وضحكته تستأثر بمساحة وجهه. وكنت محظوظاً لأنه كان في بداية سرده لقصته. يحكي:

تشوفوا في الوضع، قلنا البلاد تحررت، وهذا وقت الخدمة الحقاني. لكن آهو، لعبوا فيها، وكل يوم نكتشفوا في خازوق. وبدت نهيبة والخدمات كل يوم لتالي. ففي يوم كنت ندور على ورقة، فجأة طحت في شهادة الميلاد بتاعي، فتحت الغلاف وقريتها، وانت عارفين أني مولود بره. حطيتها على جنب، لين طحت في الورقة اللي نبيها، وبنرجع الورق للشنطة، تسلحبت شهادة الميلاد، وطاحت بعيد، تقول ما تبيش تخش للشنطة، لحظتها خطر في بالي، قلت: علاش لا؟ خللي نحاول.

تاني يوم الصبح، مشيت للسفارة، وطلبت مقابلة، خشيت وريتلهم شهادة الميلاد وجواز سفر الوالد للمدة اللي قعدها غادي. خدوا الوراقي وقالولي: توه نتصلوا بيك. بيني وبينكم، قلت آهي محاولة وخلاص.

فات اسبوع، لقيت السفارة تتصل، وطالبين شوية أوراق وصور للعويلة، مشيت في الموعد، لقيت موظف يراجي فيا، عبالي شوية نماذج، وسؤال من هني وسؤال من غادي، طلعت على وعد بالاتصال في أقرب فرصة.

فاتوا اسبوعين، اتصل بيا نفس الموظف، وقالي: مبروك جواز سفرك جاهز.

صدقوني ما صدقتش، روحت للحوش وقعدت نتناقش مع العويلة، وبعيدين استشرت الوالد والوالدة وخوتي، وقلتلهم رانس قررت بنطلع بره البلاد. على الأقل لا في مشاكل، والوليد يحصل تعليم كويس.

وتوكلت على ربي، ورتبت أموري، اتصلت بالسفارة وبلغتهم، ماني مواطن أوربي توه، وزي ماقالولي لما وصلت المطار لقيت موظف في استقبالي، اللي تملي الإجراءات، ووصلني بمحامي باش يكمل باقي الإجراءات. بعدها روحت لطرابلس، وبعت الشقة، ورجعت وقعدت لين العويلة خدوا عالجو وتعلموا كيف يتصرفوا ويمشوا ويجوا.

تبو الحق، الأمور غادي بالنسبة ليا أكبر من عقلي اللي تعود على هيدقة الليبيين. الأسبوع الأول كلها قعدنا نتعلموا كيف نقصوا الطريق، وكيف من الضروري نمشوا في المسار المخصص للمشاه، وكيف نعرفوا مواعيد الباصات وكيف تقرا الخريطة اللي في المحطة، جمل وطاح في باسطي.

وآهو زي ماتشوفواـ حولت للعمل التناوبي، وبين هني وغادي.

عندها غادرت.

ما أشبه اليوم بالبارحة

ليبيات 41

التاريخ يعيد نفسه

اليوم هو الـ28 من شهر رمضان المبارك، الموافق للـ26 من شهر يوليو للعام الميلادي 2014. منذ الأمس، وتحديد قبيل أذان صلاة المغرب، انقطعت المياه عن مدينة طرابلس، مما عاد بذاكرتي لرمضان العام 2011، عندما تحررت طرابلس في الـ20 منه، وكيف انقطعت المياه في الأسبوع الأخير من الشهر الكريم، وانتشرت شائعة تسميم المياه1.

وأجدني أقول، إن رمضان 2014 لا يختلف كثيراً عن رمضان 2011، فأصوات المواجهات ذاتها، وإن اختلفت النوايا، والحالة ذاتها من انقطاع الكهرباء والغاز والبنين، وأخيراً المياه. شيء واحد عرفه الليبيون قبلاً وأضاعوه الآن، وهو الإيمان، الذي كان يصدح مكبراً من الحناجر ومن مآذن المساجد في كل طرابلس.

ثوار البريوش1

في 20 رمضان، وبعد تمهيد من الناتو، وتوفيق الله لسحب (كتيبة امحمد المقريف) من المشهد، تحررك طرابلس، شارعاً شارعاً، وحياً حياً، ومنطقةً منطقة، بسلاح الإيمان، وما استطاع توفيره أهالي طرابلس من أسلحة اشتروها من حر مالهم، وعند دخول الثوار صباح 21 رمضان ووصولهم ميدان الشهداء، وسط طرابلس، كانت طرابلس كلها في انتظارهم مهللة مكبرة، ولن أستطيع مهما أوتيت من معاني، أن أصف هذه الفرحة، بثوار الزاوية الذين كانوا أو من وصل.

ووصل الثوار من مختلف مناطق ليبيا، ودخلوا طرابلس التي كانت محررة إلا من بعض الجيوب، التي انتهي منها في يوم، ومن تاريخ 23 رمضان 2011، كانت طرابلس محررة، ولله الحمد. وبينما كان أهالي طرابلس يبتهجون بهذا النصر الإلهي، كان الثوار الذي دخلوها يقومون بالاستحواذ على المعسكرات وشحن ما تواجد بها من أسلحة، وكذلك الاستحواذ على ممتلكات المواليين والمحسوبين على نظام القذافي، سواء كانت بيوت، فيلات، استراحات، أو مزارع. ليتمددوا من بعدها.

ثوار البريوش2

يعاب على ثوار طرابلس، إنهم لم يخوضوا جبهات، بالتالي فهم محرمون من كثير النعم، وأنهم لولا ثوار الشرق والغرب لما تحرروا، لأنهم يقضون نهارهم في المقاهي لشرب المكياتا2، وأكل البريوش3، وفي الليل يسهرون على القنوات لمتابعة دوريات أوربا. لذا فإنه من الواجب حمايتهم.

وهكذا وجد سكان طرابلس أنفسهم محاصرون من داخلهم، أي من أبناء وطنهم، القبضة هي القبضة، باختلاف المسميات، لا أكثر.

ثوار البريوش3

في ظل الأحداث التي تمر بها، من الحرب الممارسة عليها تحت مسمى القضاء على بقايا الأزلام، واللواء 32 معزز، والتي يدرك الجميع إنما هي حركة لضرب مسيرة الديمقراطية في ليبيا، والمتمثلة في (مجلس النواب). ففي ظني إن أهالي طرابلس، وثوراها لم يشاركوا في هذه المعركة (الخاسرة)، للكثير من الأسباب؛ أولها إدراكهم للسبب الحقيقي لهذه الهجمة العسكرية (أو هذا ما يسود في الشارع الطرابلسي). ثانيها عدم رغبتهم في الانحياز لأي طرف، حتى لا يتحول الأمر لحرب أهلية، مما يصعب الأمر ويفاقمه. ثالثها أن التكوين الاجتماعي في طرابلس، ليس ذي مكون واحد، فطرابلس لا تعرف العصبية، كون سكانها خليط من كل ليبيا، شرقاً وغرباً وجنوباً. أخيراً، محاولة أهالي طرابلس الحفاظ على مدينتهم (العاصمة)، لأنها تمثل وحدة ليبيا وواجهتها للعالم.

*

حفظ الله ليبيا

______________________________________________

1- يمكن مراجعة تدوينتي الخاصة عن طرابلس والماء (هـــــنـــــا).

2- المكياتا: أحد المشروبات الساخنة الصباحية وفي النهار، وهي في أساسها قهوة تعالج بطريقة حاصة يضاف إليها بعض الحليب.

3- البريوش: هو الكرواسون، ويقدم بالعسل أو الشوكولاته.

ملاحظة: أنا هنا لا أحدث باسم سكان طرابلس، إنما أنقل واقع أعيشه.

عشرة سلالات القلوب

ليبيات 40

متعة

هل تعرف من هوي نيرون؟

وحتى قبل أن أنهي السؤال، سيأتي الرد: حارق روما!!!

يقال أنهُ: في عصر “نيرون” (37م – 68م) كثرت المؤامرات والاغتيالات السياسية، التي كان له يد في تدبيرها وكانت أمه “أجريبينا” إحدى ضحاياه، وماتت وهي تلعن جنينها نيرون التي حملته في بطنها وأبلت به العالم، ومن ضحاياه أيضاً “أوكتافيا” زوجته الأولى وقد قام بقتلها أثناء أدائه مسرحيه يحمل فيها صولجان فسقط من يده. مدحت “أوكتافيا” أدائه لكنها قالت له (لو أنك لم تسقط الصولجان فقتلها). ومن بعدها لم يتجرأ أحد من العاملين في قصره، أن يعيب أي عمل له. وأيضاً قتل معلمه “سينيكا”، أما أشهر جرائمه على الإطلاق كان حريق روما الشهير سنة 64م، حيث راوده خياله في أن يعيد بناء روما، وبدأت النيران من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير، حيث شبت فيها النيران وانتشرت بشدة لمدة أسبوع في أنحاء روما، والتهمت النيران عشرة أحياء من جملة أنحاء المدينة الأربعة عشر. وبينما كانت النيران تتصاعد والأجساد تحترق وفى وسط صراخ الضحايا، كان “نيرون” جالساً في برج مرتفع، يتسلى بمنظر الحريق الذى خلب لبه، وبيده آلة الطرب يغنى أشعار “هوميروس” التي يصف فيها حريق طروادة.

رعب

الأسبوع الأخير، عاشته طرابلس في رعب وخوف، وحالة من القلق جعلت الكثير تحت وطأة ما توافر من ظروف؛ من نقص للوقود والغاز، وتذبذب أوضاع المصارف، يسحب نفسه من المشهد، فتفرغ الشوارع، وتتعطل دوائر الدولة. للدرجة أن تمر ساعات على طرابلس المعروفة بالازدحام، خالية (تاكلك فيها الغولة).

بعض مناطق طرابلس، طالتها قذائف طرافي الصراع، خاصة جنوب، وجنوب غرب طرابلس، حيث سقطت صواريخ الجراد على بعض الأحياء السكنية، وبشكل خاص منطقة (قصر بن غشير)، التي تحولت إلى (مدينة أشباح)، كما وصف لي الوضع أحد الأصدقاء من سكان المنطقة، فصواريخ الجراء والمقذوفات كانت تسقط على المنازل الآهلة بالسكان، فتقتل وتهدم.

انحياز

يمكنني القول إن ما نسبته 99% من سكان طرابلس ضد ما يحدث من اعتداء سافر عليها، وترويعٍ للآمنين، وتجمع هذه النسبة ان السبب من وراء الهجوم على طرابلس، هو تعطيل (مجلس النواب) عن استلام دوره، والبدء في مرحلة جديدة، من مسيرة الديمقراطية.

–         يعني توه فاقوا إن في بقايا للواء 32 معزز؟.

–         وخيرهم، توه بس يبوا يطلعوا الزنتان من طرابلس؟.

–         يا راجل عيينا من دسكة الأزلام!!!

–         يا ودي، هادو ما يبوش البرلمان!!!

–         مش هية عملية فجر ليبيا، علاش طرابلس بس؟

–         قولي: من جي للاخر؟

 

اقتصاد

البنزين

بانقة البنزينا سعة 7 لتر: 20 دينار

بانقة البنزينا سعة 18 لتر: 40 – 50 دينار.

قلوني البنزينا سعة 20 لتر: 50 – 60 دينار

(والبيع بالمعرفة)

الغاز

اسطوانة غاز الطهي سعة 15 لتر: 50 – 60 دينار.

التاكسيات

المشوار العادي: 5 دينار (وسط البلاد).

مشوار للأطراف: 10 – 15 دينار (مثلاً وسط البلاد قرجي).

عشرات رمضان

يقول المثل الشعبي الليبي، مواكباً للحالة النفسية للصائم (عشرة صعوب، عشرة غلوب، عشرة سلالات القلوب)؛ ووصلنا سلالات القلوب لا لخروج الشهر، بل لقسوة القتال والمواجهات جنوب طرابلس، التي روعت سكان مدينة طرابلس، وجعلت الكثير منهم يغادرها مبكراً إلى بلداته خارجها.

فشوارع طرابلس التي كانت تتميز بازدحامها الشديد في العشر الأواخر من رمضان، ولا تعرف النوم إلا بعص صلاة الفجر، وخاصة مناطق التسوق، التي تشع بهجة ونوراً وحبوراً بوجود الأطفال، وهم يقفزون فرحاً بين المحلات والفرّاشة، نراها اليوم حزينة، فالحركة قليلة وخجولة، بعض العائلات تتجول هنا وهناك، حركة البيع أقل من العادي.

أما زكاة الفطر لهذا العام، فتوجه جزء كبير منها، لإعانة العائلات والأسر النازحة من مناطق الصراع، وبشكلٍ خاص (قصر بن غشير) و(السايح)، إذ يوجد في طرابلس الآن أكثر من نقطة لاستقبال النازحين، وتجميع المعاونات العينية والمادية، وكلها مبادرات فردية وأهلية، تحاول التخفيف من وطأة الوضع الذي تعيشه هذه الأسر، خاصة التي فقدت أحد أفرادها.

أما العيد

–         أي عيد هذا؟ البلاد راحت. لا بنزينه، لا غاز، لا كهرباء. مافيش إلا الجراد والهاون. صدقني ماشريت حاجة، ولا قدرت، تي كيف نعيد وجاري ينزف، تي أي عيد والصواريخ كل يوم في الزايد، لا يقولوا رمضان لا ليلة قدر. ربنا عالظالمين، وياخد فيهم الحق.

عندما أتذكر عيد الفطر المبارك لسنة 2011، والذي أعقب تحرير طرابلس، أكتشف كم الفرحة والأمل الذي فقدناه، والحلم بليبيا جديدة، الكل فيها أخوة، جسدٌ واحد.

القبيلة … القبيلة … القبيلة

ليبيات 39

حقائق1

في ليبيا ما يقارب الـ 140 قبيلة ومجموعات عائلية، لها امتدادات جغرافية عبر الحدود ووشائج دم مغاربية ومشرقية ومتوسطية وأفريقية عبر الصحراء. ولكن القبائل الكبيرة التي لها تأثير فعلي لا يتجاوز عددها الـ 30 قبيلة بما في ذلك تكتلات عائلية.

والتركيبة البنيوية القبلية للمجتمع الليبي، قوامها الأمازيغ والعرب وما انبثق عنهما بفعل الإسلام وبخاصة المتصوفة من قبائل المرابطين والأشراف وبفعل الدولة العثمانية من قبائل الكراغلة.

تشير إحصاءات الى أن 90 في المئة من الليبيين يستشعرون بــ(الانتماء إلى القبيلة)، إذ يعتبر 45 في المئة أن صلتهم بقبائلهم وثيقة وقوية جداً، في مقابل 45 في المئة يحسون بمجرد ارتباط بالقبيلة، في حين لا يكترث 10 في المئة لهذا الانتماء.

المظلة

في دولة لن تعرف الاستقرار السياسي لفترات طويلة، وعانت من ضعف الإدارة والتصرف، كانت للرابطة أو الروابط الاجتماعية الدور الفاعل، في تسيير الأمور وترتيبها، وفرض شكلاً من أشكال التنظيم الإداري والحكم لضبط تسيير احتياجات الفرد. في شكل تكافل اجتماعي يضمن للفرد حقوقه، وينتظر منه تنفيذ واجباته اتجاهها (فارس يحيي قبيلة، وقبيلة ما تحيي فارس).

القبيلة، كانت الرابطة الاجتماعية التي استطاعت أن تكون المظلة الحامية للفرد أو العضو الذي ينتمي إليها، خاصة في بلد محدود الموارد. وليست القبيلة مجموعة الأفراد التي تتفق النسب، إنما قد يكون بعض الأفراد المنتمين، ممن دعتهم الظروف للالتجاء أو الاحتماء، أو الانضواء.

وفي ليبيا، تمثل القبيلة العصب الأساس للتركيبة الاجتماعية للمجتمع، وعلى أساسها تدار الكثير من الأمور، وتنجز الكثير من الأحداث. فلقد سجل التاريخ الكثير مما جرى بين القبائل الليبية، من منازعات وغزوات وحروب، وتحالفات تحفظ الدعم والإسناد عند الحاجة، الأمر الذي أوجد بعض الحساسيات بين القبائل، الأمر الذي أثر على حركة الجهاد الليبي إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا.

ارتباط

حتى بعدما عرفت ليبيا نوعاً من الاستقرار السياسي، في مرحلة أولى ممثلة في الملكية، ومرحلة ثانية من حكم القذافي، لحوالي 60 سنة، إلا أن القبيلة كان لها الدور الأساسي في بناء الدولة وإرساء سلطتها، وإن كان بشكل غير مباشر، وبشكل خاص خلال فترة حكم القذافي، التي نمى فيها من جديد الارتباط بالقبيلة، خاصة وإنها ارتبطت بتحقيق مجموعة من المكاسب المادية والاجتماعية والسياسية. فرأينا صعود بعض القبائل وتصرفها في شؤون الدولة، اعتماداً على صلتها المباشرة برأس الدولة (القذافي)، أو بناءاً على التحالفات القائمة بينها وبين القبائل الأخرى، وصارت (لمن ترجع) فاتحة لقضاء الحوائج.

ولتعميق هذا البعد القبلي، اعتمد نظام القذافي على التدخل في الشأن القبلي، من خلال الإمساك بمفاصل قضاياها الساخنة والتي تتماس مع مثيلاتها، وكان يخص بعض القبائل بزيارات خاصة، حد الإقامة لفترات زمنية. فعرفنا برقيات القبائل ودعواتها ومنحها القائد منح وعقارات في شكل هدايا.

حتى القبائل التي أظهر بعض أبنائها عصياناً، في شكل محاولات انقلابية أو أعمال سياسية، استطاع القذافي أن يوجد من أبنائها من يقوم على تنفيذ أحكام شعبية، من الإعدام في الساحات العامة، إلى التبرؤ، والحرمان من الحقوق المدنية. ومن الطريف، إن مصطلح الوطن، لا يعني ليبيا بقدر ما يعني البقعة الجغرافية التي تعيش عليها القبيلة وتمتد سيطرتها عليها.

لا شيء تغير

ثورة جديدة يقوم بها الشعب الليبي، يبتغي منها العيش حراً سعيداً، في ظل دولة تكفل له حقوقه وتشعره بإنسانيته. وخلال ثماني أشهر، عرف الشعب الليبي حالة من الالتحام والتوحد لم يعرف لها التاريخ الليبي نظر في تاريخه، ورغم محاولات القذافي المستميتة للضرب على وتر القبيلة، إلا أنه لم ينجح باستثناء بعض القبائل التي حافظت على خيطٍ يربطها به، اعتماداً على تجاربها وما طالها من تعزير.

وانتصرت ثورة 17 فبراير، واكتشف الجميع هشاشة الدولة الليبية، وأنها دولة الشخص الواحد، بلا مؤسسات يعتمد عليها، وكنتيجة مباشرة، عادت القبيلة كحضنٍ قادر على احتواء أبنائه، ومنحهم شكلاً من أشكال الدعم السياسي، وبالتالي تحول الأمر من (مكسب) إلى (غنيمة)، فصارت كل قبيلة تحاول الحصول على أكثر ما تستطيع من غنائم وحصص لتقوية وجودها، وصارت من جانبٍ خفي تتحكم في مصائر الأمور، من خلال المدن التي تتركز فيها والحدود الإدارية. وبمراجعة الكثير من الأحداث التي مرت على ليبيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، سنجد بالبحث الدور الكبير للقبيلة في الكثير من الأمور، فحتى اللعبة السياسية، مورست من خلال القبائل وإن اتخذت مسمى الحزب، وعلى ذات السبيل سارت المؤسسة العسكرية. ولعل المبتدأ كان حكومة (الكيب) التي اعتمدت على المحاصصة.

صراع

عرفت ليبيا بعد 17 فبراير، الكثير من المواجهات والصراعات المسلحة، وسواء شئنا أم أبينا، فإن هذه الصراعات برغم التزويق والتزيين، هي في أساسها صراعات قبلية، فبالنظر لطرفي الصراع سنكتشف أن مكون كل جهة هو مكون قبلي أصيل.

وبالنظر إلى المجتمع الليبي، سنجد إنه حتى المدن الكبيرة تعرف هذه النزعة القبلية، فالمواطن الليبي الذي يعيش في المدينة –طرابلس على سبيل المثال-، تجده لا ينتمي لهذه المدينة التي أفنى فيها جدُ جده عمره، بل هو ينتمي لمدينة ما أو قرية ما، هي في الأساس موطن قبلي، حتى أنا نفسي، وأنا أكتب هذه المقالة، لا أجد نفسي خارج هذه الدائرة –إلا ما رخم ربي-، لأني وجدت هذه الرابطة قد ساعدتني ذات مرة. ولكن هذا لا يعني نسبة الـ100%، فالكثير من العائلات في طرابلس وبنغازي –على سبيل المثال- تقطعت السبل بينها وبين قبائلها من القديم، ولم يعد من شيء يربطها إلا الاسم.

ولو نظرنا للصراع المسلح الذي تعيشه طرابلس الآن، والذي جهّز وحشّد له تحت مسمى (عملية فجر ليبيا)، وتبنته جهة ممثلة في مجموعة من الأسماء تمثل مجموعات عسكرية مسلحة ومجهزة، وقيامها بعملها العسكري دون الرجوع للدولة. سنجد إنه اتخذ الصفة القبلية، فالشارع لا يقول بـ(عملية فجر ليبيا)، لكنه يرى إن ما يحدث هو صراع قبلي بين (مصراتة) و(الزنتان)، وأنه ثمة أحلاف تدعم كل طرف.

والمتتبع سيجد إن الليبيين انقسموا بين مع وضد، باختلاف مرجعياتهم وحساباتهم، وبنظرة سريعة على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، سنكتشف العمق القبلي وأثره الكبير في التكوين الثقافي والمعرفي للشعب الليبي، بناءاً على ما يحدث في طرابلس الآن. وسنجد من التحليلات المدهش والغريب والمتطرف.

إن التحدي الحقيقي لقيام الدولة الليبية، هو بناء العقلية الليبية وإخراجها من دائرة القبيلة إلى دائرة الوطن، أو الولاء للوطن كأرض تجمع الليبيين وتصهرهم جميعاً في بوتقته، بحيث يستفاد من هذا الجهد في بناء الدولة، بدل تشتته في قضايا هامشية.

*

حفظ الله ليبيا

_________________________________________________

1- «القبلية» وطبيعتها في ليبيا / فرج نجم (موقع ؤسان).