جماليات السهل الممتنع أو كيف أعاد وليد الكور وسالم درياق تشكيل الأغنية الليبية المعاصرة؟
في وقتٍ تتزاحم فيه الساحة الفنية العربية بإنتاجات ضخمة تعتمد غالباً على الإبهار البصري والتوزيع الموسيقي الصاخب على حساب عمق التجربة، تتسلل من ليبيا تجربة موسيقية حقيقية هادئة، لكنها شديدة الأثر والعمق.
إنها تجربة الملحن والمغني وليد الكور في شراكته الفنية المميزة مع الشاعر سالم درياق؛ الشراكة التي تحولت عبر الفضاء الرقمي إلى حالة سماعية خاصة تقترح شكلاً جديداً للأغنية الليبية اليوم.
كما في كل مرة، لمعت في ذاكرتي، وانطلقت على لساني دون تفكير:
(موالك لمتى يا عيني شايلني في بحور حنيني
*
موالك لمتى يعذبني وفي بحور الحيرة يغربني مرة مالمرسى يقربني ومرة في حيرة يخليني موالك لمتى يا عيني).
وفي ذات الوقت استعدت مشهد الأغنية مصورة على التلفزيون، في أحد أمسياتنا ببيت العائلة، والفنانة “سعاد توفيق” تشدو بها، في ثورها اللامع، وشعرها الناعم السادر.
قد لا يعني مطلع نشيد (وطني عش للوجود) لأي ليبي شيئًا، لكنه ما إن يسمع مقدمته الموسيقية حتى تقفز إلى ذاكرته التصويرية مقدمة أحد البرامج التلفزيونية التي كان يبثها التلفزيون الليبي، ويحظى بمتابعة جيدة جداً من قبل الليبيين، خاصة وإنه كان في كل حلقة يعرض لقضية ويحللها ويكشف خيوطها، إنه برنامج (الشرطة والمجتمع) الذي تحول في التسعينيات إلى (الأمن والمجتمع).
نعود لـ(وطني عش للوجود)، ولعلاقتي بهذا النشيد، الذي كانت تصدح به إذاعة مدرسة (الفيحاء)، ضمن برنامجها الصباحي اليومي، والذي كانت لي فيه بعض المشاركات. هذا النشيد أيضا كان يبثه الراديو بشكل مستمر، خاصة في الصباح، وأحيانا فترات المساء.
أكثر ما كان يشدني في هذا النشيد، هو مقدمته الموسيقية، والتي تحولت -كما أشرت أعلاه- إلى مقدمة برنامج أمني، بسبب ما تثيره في نفس السامع من حماسة وجهوزية، في دفعات موسيقية قوية موزعة بشكل سيمفوني، وفي نقلة ذكية، ينتقل الإيقاع بالسامع إلى مستوى أقل، ينساب بطريقة سهلة تطرب السامع، قبل أن يبدا المجموعة في الإنشاد.
الفنان عبداللطيف احويل في شبابه (الصورة: عن الشبطة)
تعود علاقتي بهذا الصوت لفترة قديمة، من خلال الراديو وتحديدا لأغنية بعينها حفظتها وما زلت أرددها بشكل دائم، ربما بسبب كلماتها البسيطة، والقريبة من القلب. تقول كلمات الأغنية: جارة يا جارة ارحلتي يا جارة واسكنتي بعيد علي الحارة غير كيف تببني نلقاك دليني حتى بامارة من شوقي نسكن بحداك.
بدون شك عرفتم الفنان، نعم إنه الفنان الكبير “عبداللطيف احويل”، الفنان المميز في أغانيه وأدائه المميز الذي يمثل الأغنية الليبية في أفضل صورها. لكن حديثي هنا لا يتصل بهذه الأغنية، بل بأغنية أخرى، كان التلفزيون الليبي يخصص سهرة الخميس في الغالب لبثها، وأحيانا لا يبثها كاملة بسبب طولها النسبي، وهي بث قديم من حفل شارك فيه مجموعة من الفنانين الليبيين صحبة فنانين منتصف سبعينيات القرن الماضي.
أستطيع الجزم، أن الأصوات الغنائية النسائية في ليبيا، بالرغم من محدوديتها، إلا أنها أصوات مميزة، ولكل صوت منها بصمته الخاصة وعلامتها المهمة في تاريخ الأغنية الليلية، خاصة في مجتمع محافظ ومنغلق، لا يشجع المرأة، فكيف بخروجها والغناء، وبث أغانيها عبر التلفزيون. في وقت عندما بدأت فيه الأغنية الليبية تبث عبر الراديو، كان الكثير من المغنين الرجال يغيرون أسماءهم خوفا من مواجهة المجتمع.
الشخصية الغنائية التي أتوقف عندها، تميزت بصوتها الدافئ الهادئ، فهي لم تأسرنا بطبقاتها وعربها الصوتية، إنما بصدق أدائها وقدرتها على إدخالنا إلى جو الأغنية بسلاسة، وعيشها والاستمتاع بما تحمل من معاني، والالتفاف على المناطق الصعبة في اللحن بذكاء، بالرغم من رصيدها الغنائي القليل.